Sunday, May 25, 2014

قصة قديمة/حديثة عن أهالي “الدويقة” و”صخرة” الوطن والـ 24 مترا بتوع ساويرس!

المكان: مساكن الدويقة، تابعة منشية "منشأة للمتقعرين" ناصر، خلف مساكن الحرفيين
الزمان: 21/3/2010
"الحدث: عيد الأم، أو "منزلك؟ كنتَ تراه، الآن لا تراه

لديك ما يكفيك من أرض وبيت 
وليس ما يكفي جميع الناس
والأرض ملأى بالتراب
انهض وناضل

عدة جرّافات، عشرة سيارات أمن مركزي – بجنودها -، (مصطفى عبادة)، نائب رئيس الحي، يأمر بهدم البيوت التي غادرها سكانها في سفرية قصيرة للسلام على الأمهات في البلدات، بدعوى أنها في منطقة "خِطرة"، أما تلك التي لم يتركها قاطنوها فأمرهم بإخلائها، أعطى الجميع "خطابات" بتسليم شقق لهم في منطقة أخرى، لا يعرفونها، ثم يشخط في وجوههم ويرحل. 
تحكي إحدى النساء المتشحات بالسواد أنه كان "يرضخ" لمن يعطيه من ألفي إلى خمسة آلاف جنيه، ويرضى على مضض بأن يبقى في بيته بالدويقة..
تصرخ النسوة ويبكي الأطفال، وتأتي عربات النقل من اللا مكان لتحميل ما بقي من متاعهم ومتاع العائدين الملتاعين، ويرحلون إلى "اللامكان"، أو التي سنصطلح على تسميتها بمساكن 6 أكتوبر، هرم سيتي، مساكن أراسكوم، والتي سنتفق بيننا وبين بعضنا أيضًا أنها مملوكة لنجيب ساويرس، وأخيه سميح ساويرس.
بعد فترة من الوقت، وبعد السكنى في 6 أكتوبر تلك، وهي تختلف واقعًا ورائحة عن 6 أكتوبر الأثرياء، كان (عمر الهياتمي) سكرتير نجيب يلّح على أهالي الدويقة المرّحلين لتسيلم خطاباتهم، بحجة أنهم أخذوا "خلاص" الشقق المؤقتة، وبعدها سيستلمون شققًا جديدة وأكثر آدمية. كانت (أم إسلام)، أم لخمس أطفال ميسورة الحال مقارنة بالباقيات، ترفض تسليمهم الخطاب، وكان (عمر) بيه يغريها بالشقة الفسيحة التي سينتقلون جميعًا إليها – 162 عائلة.. ركّز: 162 عائلة، وليس 162 فردًا- كأن كل هؤلاء ينتظرون على خطاب أم إسلام.
تحكي سحر: أخذ (مصطفى عبادة) رئيس حي منشية ناصر الخطاب منها، لأنه الجواب الرسمي الوحيد الذي يذله به أهالي الدويقة ، ومزقه أمامها، انقضت عليه تنتزع بقاياه من يده فضربها هو وحوالي عشرة رجال أمن كانوا يلتفون حوله. أصلاً سحر لها قسم خاص من الحكاية، لا تستعجلوني.
المتهمون بهدم المنازل، وسرقة خطابات التسكين بعد ذلك: آمال حسين
ناصر نصحي
إبراهيم عطية
مصطفى عبادة
محمد مختار الحملاوي
تقول الأسطورة غير المروية إلا بابتسامات المرارة: قالوا لنا سنأخذ شققًا 38 مترًا، جاء أحد المهندسين المتعاونين معنا وقاس الأرض بدقة، لتخرج في النهاية 24 مترًا. أكل ذلك "ابن الجزمة" مصطفى عبادة خصيمنا ليوم الدين 18 مترًا في جيبه، واقتطعها من لحمنا الحي. قل لي يا سيدي الفاضل، سأعطيك أحجية ولنر كيف بتعليمك العالي ستحلّها: في شقة 24 مترًا، يقطنها سبعة أفراد من أسرة واحدة، أين سنضع السرير-160سم-؟ وأين بحق الله، وبحق ما تعلمته في المدارس، سيكون المطبخ والحمام؟
الحمام يا سيدي الفاضل عبارة عن "عرض ماسورة الدُش"، بحيث لو أردت إغلاق الباب "لتستخدم التواليت، لا مؤاخذة، ويحفظ مقام والدتك" سيكون عليك أن تِلوح الماسورة للداخل، كي تأخذ راحتك. لا تأخذها على الآخر بعد، فلن تغسل يديك إلا في الصالة، في الحوض الذي هو للمصادفة حوض المطبخ أيضًا.
لا تعتقد أنك بكل هذا قد حللت مشاكلك بعد، فلو تغاضيت عن الأطفال الخمسة الذين سينامون على الأرض في الغرفة الوحيدة الداخلية، وأنك ستنام بجوار ابنك الكبير – إذ لا يصح أن ينام بجوار إخوته البنات – على الأرض في الصالة، ولو تغاضيت عن الحفرة التي سمّوها لك حمامًا، وأنك بعت أغلب عفشك من حطام الدنيا – كان محطمًا فعلاً أو في طريقه إلى ذلك – لأنه ببساطة لا مكان له، ولأنك تحتاج للنقود، فهناك مخاطر أخرى. لا، ليس سكرتير نجيب وسميح س. الذي ينظر لك بازدراء كلما حاولت مكالمته، ولا نجيب وسميح أنفسهما الذان لا يتركان مناسبة أو بدونها إلا ليعلنوا لكم أنكم غير مرغوب فيكم، وأنهم استضافوكم شفقة ليس إلا – تحكي نفس الأسطورة عن مساهمة أحد أبناء المخلوع في تلك المساكن، وأن آل ساويرس أخذوا متر الأرض بنصف جنيه فقط، والثلثين لهما والثلث للدولة، وأن هناك شيئًا عفنًا يدور تحت السطح – ولو نجوت أيضًا من التشققات المختلفة بطول وعرض المباني التي سكنوا فيها، لدرجة أنهم يرسمون عليها خريطة الغزو الصليبي أو خريطة أحزانهم الخاصة، ولو تغاضيت أيضًا عن م. عبادة الذي يهددهم في الرايحة والجاية، بسبب وبدون، وعن البغيض مصطفى الحملاوي الذي نظر لهم ببرود وقال ليس لديّ مساكن لكم، وأنه أصلاً لا يعرف معنى عدم النوم بين أربعة حيطان مذهبة ليلاً.. فلن تنجو من العرب.. نعم سيدي الفاضل الذي سرق منه الزمن أفضليته لييصبح محكومًا في عهد نظيف ومن بعده شرف. العرب الذين يطلقهم رئيس الحي، ثم الساويرسيين، بغية إخراجهم منها لأنهم ملّوا منهم خلاص.

أسطورة الشبيحة
عرب، وأفراد أمن المجمع السكني 6 أكتوبر الهرم سيتي – لماذا الاسم المفرنج؟- يقبضون شهريًا مرتبات مغرية، يشترون بها ما حلا لهم من الرشاشات – رصاص حي، جُرح به كثيرون – يطلقونه في الهواء كل عدة ليال، كنوع من التبول إلى أعلى لتوكيد سيادتهم على المنطقة، فكما كان أجدادهم كلاب الغابات يبولون على الأشجار لإعلانها منطقتهم، يهجمون هم على البنات العائدات ليلاً لمنازلهن، ويطلقون دفقات سخية من الرصاص مصيبين الليل في مقتل، ومقطعين أوصاله. 
ولم يكتفوا بكل النقود التي يحصلون عليها، بعد أن انفقوها على السلاح – لماذا لم يستطع المجلس السمكري، بروح أمه، حتى الآن السيطرة على تجارة السلاح في مصر؟ أم هو من يبيعها لهم؟- فيقتحمون الشقق، مكتشفين حاجتهم الماسة المفاجئة لسرير أو اثنين، أو قاعدة حمام، مثلا، أو حتى حنفية المطبخ.. يتركون البيت ركامًا، مع المزيد من الهاهاهاهع – بالتأكيد طبعًا، وإلا كيف يضحك الأشرار؟ – ودفقات رصاص أخرى.
يموت راوي الأسطورة إما برصاصة طائشة أو كمدًا، فلا نعرف نهايتها إن كان لها نهاية.

المتهمون بإطلاق العرب وأمن القرية على الآمنين: عمر الهياتمي، كما قلنا، والأخوين ساويرس.

بعد هذا وكله، لا يطلب أهالي الدويقة الذين يسكنون قسرًا الآن في 6أكتوبـ إلخ إلا عقودًا تثبت امتلاكهم 24 مترًا في أرض مصر – تذكر، مليون كم مربع، هاه؟ – حتى لا يخرجوهم من شققهم ويرموهم إلى الشارع، ثانية. ليس معهم عقد ولا وصل إثبات ملكية ولا حتى وصل الكهرباء، كل بطاقاتهم الشخصية مكتوب بها الدويقة، كل الشهادات على عناوين الدويقة، يرفضون إخراج بطاقات أخرى لهم حيث لا يوجد إثبات ملكية، لا يوجد مدارس، ولو وجدت على سوئها الشديد، لا تقبل بالأولاد لأن محل إقامتهم، كما هو مفترض، بعيد جدا..
اعتصموا عند "رصيف" مجلس الوزراء – هل يرضى شرف لحفيدته جيداء أن تقيم في الشارع لتصرخ من أجل حقها؟ – منذ سنتين، ولا سميع ولا مبصر. اعتصموا قبل رمضان الماضي، ثم مجددًا أول أكتوبر، فأتوا لهم بالجيش – أشاوس والنعمة – وضربوهم.. ضربوا النساء منهم خاصة، وفضوا الاعتصام بالقوة. كانت تهمتهم أنهم "قطعوا الشارع" ليسمعوا الناس شكواهم، فقط.. 
وعدوهم بتسليمهم عقود ملكية للأربعة والعشرين مترًا يوم الثلاثاء، اقصد أن يستلموها منهم يوم الثلاثاء، 18-10-2011، والذي وعدهم اسمه "عادل التونسي".. كالعادة لا تتعامل الحكومة إلا من علّ: ترسل لهم أفنديًا يرتدي بذلة ونظارة شمس ويتحدث من أنفه ويديه في جيوبه. لم يأخذوا شيئًا طبعًا يوم الثلاثاء، فاعتصموا ثانية على رصيف المجلس أملاً أن يسمعهم أحد.
أرسلت لهم اليوم "الحكومة" الأمن المركزي ليحيط بهم في كردون مهيب، من حوالي 50 عسكري، والأهالي كانوا حوالي13 أو 15 فردًا. وأربعة جنود جيش، وستة رُتب شرطة، وبهوات آخرين بملابس مدنية وعيون زائغة..

قلت لكم في السنة البعيدة
عن خطر الجندي، عن قلبه الأعمى
وعن همته القعيدة
يحرس من يمنحه راتبه الشهري
وزيه الرسمي
ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء
والقعقعة الشديدة
-دنقل-

وعد الفيوم:
باختصار: أخرجوا بعضًا من سكان الدويقة من بيوتهم، رموهم في الفيوم، استولوا على بيوتهم، ولا عودة.
وعدوهم ب10 آلاف جنيه إن تركوا شققهم في الدويقة، ودكّانة يعمل فيها ويأكل منها ويطعم أولاده، وألفي جنيه مصاريف نثرية، وشقة 63 مترًا تمليك.
ذهبوا فلم يأخذوا نِكلة، ولا دكانة، والمطرح صغير وإيجار أيضًا.. يعني موت وخراب ديار.. يعني لا عمل، ولا رجعة للدويقة، وعليهم أن يدفعوا إيجارًا أيضًا..

"هل فعلاً احنا يا أحمد
أبطال خرافية..؟
والاّ الكون
هوه اللي عاملني أسطورة..
لجلن يتدارى بعجزه وبخصيه فيا؟
فأنا مش شايف إن إحنا 
بنعمل أكتر م المفروض ومن المطلوب
..الحدّاية
..بتيجي تخطف لقمة ابني
باقوم اجري وراها واهججها بالطوب
أي بطولة ف دي..؟
-الأبنودي-

حكاية سحر كمال، تحكيها سحر كمال:
غلبت من 5 سنين، يعني لا مؤاخذة لو الناس دي تعبت قيراط أنا تعبت عشرة، قولي مية فوقيهم. طردوني من بيتي من 5 سنين، لله في الله كده، وقعدت متمرمطة ما بين الشارع والقعدة عند قرايبي. إدوني شقة واتهدت فوق دماغي تاني، قعدت أروح عند رئيس الحي (مصطفى عبادة، خصيمي ليوم الدين) وأقول له ليا حق آخد شقة، بدل اللي انطردت منها. عايزة أربع حيطان تلمني أنا والعيال تحتها. يا يضربني، يا يبعت الحكومة [الشرطة] تضربني وتضرب عيالي.. آخر ما زهق مني أخد العيل ده – تشير على ما دون السنتين – وكان لسه مولود، ورموه على مزلقان الدويقة. 
تكمل أم إسلام: كنت طالعة الشغل الساعة 7 الصبح ولا اعرفها ولا اعرف اللي حصل ولقيت الواد مرمي وقعدت أصوّت، وسحر تصوّت وتقول مش عايزة شقق هاتولي ابني، وهما حايشينها، أنا أصوّت وأقول هاتوا الواد وهما مانعين حد يروح ياخده…

تقول سحر: سمع صوتنا مجدي حسين [رئيس حزب العمل] وجه يساعدنا. الحكومة تضيق عليه وتقبض عليه وهو يساعدنا، بقا يجيب لنا خيام وأكل ويحاول يوصل صوتنا للي مبيسمعوش. في الآخر وعدونا – رئيس الحي – بإنهم يبنوا لنا ثكنات واللي ليه حق ح ياخد فيها. جبنا الورق والشهادات والإثباتات وبرضه قالوا لنا لأ. رمونا في الآخر على 6 أكتوبر.. لو كانت الناس بتستعرّ من الدويقة ومش طايقاها، فأكتوبر "بشعة" – بتعبيرها – أكتر منها بكتير.. ده أنا اقعد في التُرب ولا اقعدش في أكتوبر..
خمس سنين بين مجلس الوزرا ومجلس الشعب، ولا حد سامعنا.. ملناش غير ربنا..ملناش غير ربنا..
__________________________________
نُشرت في الاشتراكي:
http://revsoc.me/workers-farmers/qs-qdymhdyth-n-hly-ldwyq-wskhr-lwtn-wl-24-mtr-btw-swyrs/

متزعلش


"لقد نزل علينا الخبر كالصاعقة" عبارة مكررة لدرجة الابتذال، كليشيه مُعاد حتى أصبح مسخًا. لكن الحقيقة، أن "الصاعقة" التي تحلّ بنا عقب سماع نبأ وقعه هائل، كمقتل صاحب أو حبس قريب، واقعية جدًا ومحسوسة لدرجة اللمس بالأصابع، فالألم في منتصف الصدر ليس من اختراعنا، وفقدان النطق أو الضحك الهيستيري للحظات، لم يعد بإمكاننا منعهما، حتى اللا مبالاة، والنظرة الميتة، كلها من تبعات "الصاعقة".
الحقيقة أننا في بلد تتدهور أحواله بسرعة كبيرة كتدحرج كرة من الثلج على تلٍ منحدر بلا عوائق. في كل مرة، مع كل حبس، مع كل قتيل انحبست ذكراه في أذهاننا تطالب بحقه، وتعاتبنا إن نسيناه وانشغلنا بأحوالنا اليومية، أقول في كل مرة نحسب سُذجًا أن الكرة وصلت لمداها وأنها ستنفجر الآن، لكن الواقع يقول أن لا، وأنها ما زالت مستمرة، والأسوأ لم يأتِ بعد.
نسمع الخبر، صديق لنا انتزعت روحه عنوة عن جسده فصعدت إلى أهل السماء مأتنسة وهاربة من أهل الأرض، فنسقط جالسين، أو على رُكبنا. ألم ممضّ لوهلة، ثم إفاقة لتحضير ترتيبات الجنازة. من لا يزالون واقفين على أرجلهم سيذهبون للمشرحة، وهي غالبًا مكان كئيب جدرانه رمادية أو صفراء قاتمة، "ميتة".. سيحملونه على الأكتاف، وربما يطوفون في الشوارع متحديين قانون حظر التظاهر، راغبين من دواخلهم في كمية رأفة ولو ضئيلة، في قلوب دببة الأمن المركزي تسمح لهم بالعبور حتى المدافن. سنهتف بعلو الصوت، بحرقة كبيرة، بغضب أكبر، راغبين في تحطيم أي شيء تسبب في القتل، آملين في اشتباك، لكن مع ضمان النصر لنا. بعضنا، يشبهني مثلاً، نجلس ذاهلين على أسرّتنا نتأمل تغيّر النور والظلّ في الغرف مفتوحة النوافذ، ثم حلول الظلام، وانعكاس أنوار الشارع على السقف والجدران. سنغبط من ذهبوا للمسيرة الجنائزية، لأنهم عبّروا بأصوات عالية عن التياعهم وألمهم، بينما نحن أكلت الأسماك الذهبية الخارجة من عوالم ستديو جِبلي ألسنتنا، راغبة في الحديث والدفاع عنّا، بدلاً منا.
مع طلوع صباح جديد علينا جميعًا، سنتوجه لممارسة حياتنا اليومية العادية. هناك نصيحة كنت أقولها بغباء لأصدقائي بعدما قُتل أحدنا: انغمس في العادية، فأجابني أن "العادية قلة أدب". لم أدرك صحة ما قاله حتى حاولته أنا نفسي. يجب أن نترك للحزن وقته، أن نبكي، لا وقت للغد، لا تأجيل لما بعد، لا كبت للبكاء، لا تظاهر بأن كل شيء كما نريده أن يكون. في الواقع، لا شيء كما نريد: لا عمل، لا وطن، لا أهل، لا طرق، لا تنفيس، لا تظاهر، لا سفر، لا عطاء كما يجب أن يكون. أين الحقيقة في عالم من الزيف؟ أين الحياة الطبيعية؟ متى ذهبت عنا؟ متى أصبح غير العادي مبتذلاً من انتشاره في نشرات الأخبار وعلى شاشات بخلفية بيضاء، وفي مائة وأربعين حرفًا؟
الشاهد: اترك نفسك للحزن، ستعرف هي متى ينبغي أن "تجمع شتات ذاتك" وتتجاوزه. لكن في تلك الفترة، والتي حتمًا ستكون عصيبة، إلا لو وصلت لنوع من الحزن الهادئ المستمر، الذي قد يتنحّى جانبًا لابتسامة مبتسرة أو ضحكة فجائية على موقف أو طُرفة رواها صديق تحمل له في قلبك الكثير.. أقول في تلك الفترة، حاول ألا تنسى نفسك. كُل جيدًا ونم جيدًا، اعتن بجسدك الخارجي في محاولة للتصالح معك داخليًا. عبّر عن ألمك، وهذا أمر مهم جدًا: لا تكبت مشاعرك أبدًا. تكلّم لصديق تعرف أنه لن يضجر من تكرارك جملٍ مثل: "أنا نفسي أشوفه مرة أخيرة، مودعتوش كويس" أو "لو كان سِمع كلامي بس.."، أو اكتب، رسالة طويلة للشهيد، قل له كل ما أردت، حتى لو رغبت في شتمه، لن يضرّه ذلك. انضم لمجموعة دعم، لو لم تجد اخلق واحدة، فحولك كثيرون ملتاعين لسعهم الألم، اجمعهم، اقرأ عن شروط تكوين واستمرارية مجموعات الدعم، وابدأ التجمّعات. ابكِ كثيرًا، فالبكاء رحمة، شرط أن تتحدث بعدها لشخص يستطيع أن يبعد عنك أحاسيس الوحدة الضارية أو الوجع العنيف، ولو بالكلام عبر الهاتف. وأخيرًا، لن يضرّك أبدًا أن تسعى للحصول على مساعدة من محترفين، كطبيب نفسيّ أو معالج، يمكنه أن يساعدك على التعرّف على المشاعر الجديدة التي تتكون بداخلك، والأفكار التي تفاجئك أحيانًا، وأن يوجّهك في رحلة التعامل معها والتواكب مع ذاتك الجديدة التي شكّلتها الصدمة والحزن. صدقني، سيكون ذلك أفضل بكثير.
في نهاية الأمر، نصل لمرحلة من التسليم. ما حدث قد حدث، وسيتكرر طالما أننا في بلد موصومة باللاعقلانية واللامنطقية. سنحمد الله – لو ما زلنا نؤمن بوجوده، متساميًا عن كل هذا العفن الطاغي – على كوننا أحياء محتفظين بما تبقى من عقولنا وأجسادنا، نتساند على أذرع أصدقاء لنا مكروبين أيضًا، ونحاول ألا نخرج من هذه الحياة قبل أن تنصلح قلوبنا، ونفهم إجابة سؤال: "طب ليه؟".. وسط كل ذلك، حاول إنك متزعلش.. متزعلش.

___________________
روابط مفيدة:
ويكي هاو: التكيف مع الحزن:

 نُشر في الشروق:
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13042014&id=b59ec39b-00b6-4891-899f-442768e758ae

كيف يمكننا أن نعيش؟



يتساءل أحمد جمال في مقال له عن معتقل كان المفترض أن يعرفه: "وماذا عن قصصنا نحن؟".. نعم، لمَ لا يكتب أحدٌ عن يوم عادي في حياة قريب أو صديق لمعتقل؟ ماذا عن الحكايات العادية لأناس جعلتهم الوقائع يعيشون أحداثا فوق عادية؟ حكت أجاثا كريستي مرة عن رجل غامض يظهر عند اكتمال خيوط حكايات عادية لتجتمع وتشكّل جريمة، لا ينتبه إليها الآخرون عادة، وكتب جارثيا ماركيث مجموعة قصص قصيرة عن أمر مشابه، فماذا عن قصصنا نحن؟
عدت من السفر أول أمس. صممت اليوم على زيارة صديقي كريم، جاميكا*، في محبسه بمعسكر للأمن المركزي، على طريق مصر اسكندرية الصحراوي. كان عليّ أنا وصديقاي أن نسافر من أقصى شرق القاهرة لأقصى غربها. في البداية، لم يكن معنا نقود كافية وتوجهنا لبنك لتحويل ما معي من مال، أو "نشتري جنيهات". اندهشت للتعبير، فكيف أشتري نقودًا؟ لكني انبسطت أن سعر الصرف كان جيدًا وأخذنا أموالاً كثيرة، صرفناها كلها على الأطعمة المشوية. لماذا اللحوم غالية في مصر؟
صمتت صديقتنا نوعًا، ثم اتجهت لمحل يبيع المشغولات الفضية. قالت إنها تحمل "أنسيال" أو إسوارة فضية لا تحتاجها، وفكرت في بيعها. كانت قد اشترتها بأربعمائة جنيه، وتفاءلت كثيرًا في أن تحصل على سعر جيد لها. خرجت سريعًا من المحل بعدما أجابها البائع بقلة اكتراث أنه سيعطيها خمسة وخمسين جنيها ثمنًا لها. لماذا يبخسون ثمن الحُليّ المباعة في مصر؟
ركبنا خمس مواصلات متنوعة، وصلنا في النهاية، ننتظر أمام باب المعسكر في وسط الصحراء ليسمحوا لنا بالدخول، أفكّر أن على كريم ومحمد شريف المحبوسين معًا الخروج بسرعة قبل الصيف، لأن هذا المكان لن يتحمّلنا والحرّ معًا، عليه أن يختار بين أحدنا. ندخل، يفتشوننا، ننتظر ثانية، ولا أعرف ماذا ننتظر، ثم يتضح أننا سنركب سيارة الترحيلات لأن مكان احتجازهم "جوة". أحمد الله أنه ليس "جوة وتحت" كما اعتادوا وضع المحتجزين في قاعات المحاكم..
نركب سيارة الترحيلات، أفكر أنها المرة الأولى لي، واتذكر أروى صالح التي حكت عنها رضوى عاشور في إحدى رواياتها، عندما اعتقلت فكتبت هي وأصدقائها على قصاصات أوراق "إنهم يقتلون الجياد" ونثرتها من شبابيك السيارة. أمِلَت أروى أن يهتم الناس، أن يتحركوا لأجلهم. لا بد أنها ستنتحر مرتين لو رأت ما عليه الحال الآن، والناس يهللون لمقتل أو اعتقال المختلفين عنهم.
في السيارة، طفل تبلغ قامته خصري تقريبًا، لا ينظر إلينا، ويخجل من ميله القسري نحونا كلما انعطفت السيارة. يذكرني بصورة الطفل الذي "أخذوه" ضباط الأمن المركزي يوم 25 يناير 2014، نفس يوم اعتقال كريم ومحمد شريف، والولد يحلف لهم أنه كان يغنّي لإلههم الجديد، المشير. هناك طفل آخر، كان يقبّل يد الضابط الذي كان يجرّ والدته المنتقبة، ليحبسها. تذكرت صورتي الطفلين، وكيف أني لم اهتزّ عندما رأيتهما. أفكّر نفسي بموقفي أيام أحداث محمد محمود الأولى، وكيف أني ظللت دون انفعالات، إلى أن انفجرت باكية في صالة السينما، وأنا أشاهد فيلم "وهلّأ لوين؟" لنادين لبكي. لماذا كان عليهم أن يقتلوا نسيم، في الفيلم؟
نصل، لكن لا بدّ من إذلال أخير. يغلقون أبواب المعسكر، ويخرج بعد فترة طويلة ضابط في ملابس مدنية، يرتدي نظارة طبية وغير حليق. يبدو طيبًا و"مثقفًا". تفاءلت. أخذ ينادي على أسماء المعتقلين لندخل إليهم. هناك محتجَز لم يحضر له أحد، فنظر إليه الضابط بشراسة وأخذ يزعق في وجهه: "خش جوّه". تألمت لأجله.. من هنا بدأ "الوجع" في منتصف الصدر. لا الانثناء على الجسد كافٍ ولا حضن نفسي يصلح.
أخيرًا، نادى على اسمي كريم وشريف. دخلنا. سلمت عليهما بحرارة، وقال شريف وهو يبتسم "فرصة سعيدة" لمّا كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها. كريم في حُلّة بيضاء تمامًا ونظيفة جدًا، جرح خفيف في ذقنه من أثر الحلاقة. لم يكن يرتدي نظارته فكان عليه الاقتراب من وجوهنا كثيرًا. كنت اتأمله عندما يحادث أحد رفيقيّ، لكن عندما يحوّل نظره نحوي ارتبِك. لم اتكلم. ماذا أقول؟ أوحشتنا كثيرًا؟ أنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ؟ كن من أنت حيث تكون واحمل عبء قلبك وحده؟ وكيف يحمل عبء قلبه وحده وهو المشهور بأنه صديق المعتقلين، يركض وراءهم في كل مكان؟
"أين نظارتك يا كريم؟" "مسكوها وكسروها بالعافية". "ليه؟" سؤال لا يُطرح. لاحظت سحابة بيضاء خفيفة على عينه اليسرى، أطلت التحديق، نظر إليّ وابتسم. زالت السحابة. وإنتي عاملة ايه؟ بمَ أرد؟ حرة في الحركة؟ سأغادر مصر ثانية ولا أعلم متى أعود؟ حزن خفيف. تمنيت خروجك يا كريم حتى نحتفل. لماذا لا يخرج كريم، الآن وحالاً؟
نخرج، صديقتنا الأكثر تماسكًا والأعلى صوتًا تنغمس في بكاء مكتوم يهزّها هزًا، وهي تنظر من الشباك الخلفي لسيارة الترحيلات. تشتم في سرّها، تجيبنا بلا صوت. لا تكترث لنا إطلاقا. تشعر بضياع تام، وأن كل شيء بلا معنى. نربتّ عليها. لا تصمت عن البكاء. إحدى فتاتين توأم، خرجتا من زيارة والدهما صاحب اللحية نصف الطويلة ومعهما والدتهما المنتقبة، تجهش ببكاء عنيف وتقول لأمها وسط نهنهاتها أنها تدعو الله يوميًا أن "ياخدني بقا ويريحني". يلاحظها أبوها، تجفف دموعها سريعًا وتعود إليه، تسلم عليه وتبتسم. تصعد للسيارة وتطرق صامتة تمامًا.
نلتصق بنافذة سيارة الترحيلات، يدور في ذهني "والمغربية جاية، تتخفى ورا، ضهر الشجر..".
"يا عزيز عيني وأنا بدّي أروّح بلدي
ليلة بتّ فيها وصحيت ملقيتش بلدي
عمّي ياللي ماشي
ظلم ما ترضاشي
سافر قلبي ولا جاشي
يدوّر على بلدي"
___________________
* تُنطق هكذا: "جاميكا"، تباسطًا.

23-2-2014
نُشرت على الفيس بوك

وايه العمل يا كريم؟


لي صديق محبوس اسمه كريم. صار له الآن ما يقرب من أربعة أشهر، لم أره فيهم سوى مرة واحدة لظروف سفري. حُبس بتهم عبيطة جدًا. اتناساه أحيانًا، لكني أتذكره دائمًا في صلاتي، وأدعو له كثيرًا، لكن ليس بحرقة، لأني لا أطيق صبرًا على استجابة الدعاء، فلو لم يخرج سريعًا لتساءلت. لذلك أقي عقلي من التساؤل وقلبي من الحرقة وأقول يارب، بلساني، أعنيها حقًا، لكن مش أوي.

يوحشني جدًا أحايين.. يمضّني افتقاده وأنه "ليس هنا" بينما أنا أيضًا "لست هناك" ثم اتذكر أنه ومع ذلك "ليس هناك" فتصبح غربة مضاعفة ووحشة مضروبة في ثلاثة. أحتار فأحاول النوم رغم كل شيء فتأتيني صورته باسمًا معلّقة وراء جفنّي المغلقين فلا أستطيع النعاس. أفكر في أن أرسل له صلاة "جوروجيتا" مثلما كانت تفعل إليزابيث جيلبرت مع ابن أختها الذي يعاني من مشاكل في النوم. كانت في الهند وابن أختها في أمريكا، وبينما تصلي قبل الفجر كان هو يتهيأ للنوم في أول الليل، لذلك صلاتها ساعدته جدًا.

يحضرني كريم، شعره الناعم الطويل منتثر حول وجهه، وابتسامته "تضيء" حرفيًا وجهه، بينما لا يضع نظّارته التي كسّروها له، ورأيته بدونها آخر مرة. يبتسم كريم عندما يريد ذلك، ومن قلبه، بينما في أغلب الأوقات يلتوي ركن فمه بابتسامة ساخرة، يثيرها ميله الدائم للدعابة والسخرية. أقول تحضرني صورته فأركز فيها جدًا، وأبدأ في توجيه الكلام له: أريدك طيبًا، أن تحيط الطيبة بقلبك فتحميه، أن يزور السكون عقلك فيطيّب خاطره، أن تهدأ أفكارك قليلاً كيلا يقتلك التساؤل ويتركك خواء.. أركزّ أكثر فأرسل له طاقة أمل وابتسامة وهّاجة، تنقلب لضحكة عالية عند تساؤلي عن ردّ فعله لو عرف ما أفعل. تظل صورته واضحة أمام عيني المغلقتين فأستمر في محادثته، إنت كويس، أمدّ كفًا خيالية فتربت على صدره، موضع القلب، وأقول هنا بخير، نحن بخير، والقلب أخضر مزهزه يا كريم.. لا مكر ولا حسد..

 لو كنت في مصر لزرت لك السلطان حسن. أحب المسجد جدًا، تطاوله في البنيان، العمارة التي قصدت عزله عما حوله من ضجيج ودنيوية، الميضأة ذات الماء البارد، الرخام البسيط، وصوت الشيخ المبتهل دائمًا، شاكرًا لله.. سأجلس في الركن، إلى جوار النافذة ذات القضبان، والمؤدية لبيوت طالبي العِلم القدماء. لم يعد أحد الآن يلازم مسجدًا ليطلب فيه علمًا يا كريم. سأدعو الله لك. أن تخرج سريعًا، أن تخرج سالمًا، سأقول عشان خاطر سيدنا النبي، بلاش خاطري وخاطرك، عشان خاطر كل الخير والطيبة اللي بُعث بيهم سيدنا محمد، كل الحب اللي بشّر بيه سيدنا عيسى، كل طيبة المعاملة اللي نادى بيها ونفذها سيدنا يحيى.. سيسند كفّي قلبي لأني لا أريد له أن ينخلع، لا مانع من بعض الدموع، فأنا لا أخجل منها.. تأتي صلاة العصر سريعًا، وأراقب الشمس وهي تتحول للأصفر ثم الأحمر والبرتقالي، وأصمم على أن أسهر الليلة لأكمل دعائي قبل الفجر. سيستجيب لنا الله يا كريم، لكن في وقته هو، وليس طبقًا لوقتنا وتوقعاتنا نحن.. الله كبير.. :)

 سنجلس معًا، أنا وأنت، يومًا ما، حول مائدة إفطار: فول بالليمون والكمون وزيت الزيتون، بيض شكشوكة بالطماطم والفلفل الرومي الأصفر والأمر، جبنة بالطماطم والنعناع وزيت الزيتون أيضًا،  بطاطس مقلية بالكاتشاب، جرجير وخس مقطعًا وعليهما ليمون، مربي فراولة وقشدة ليست كثيفة، قهوة تركية سكّر زيادة رائحتها عبقة، وعصير برتقال طازج لم يصفّى بعد، والكثير من أرغفة الخبز البلدي ذي الردّة.
 ستسألني عن: وأخبار الحب ايه على حسّك؟ تمامًا مثلما في فيلم "في شقة مصر الجديدة"، تعلم أنت أني أحبه، فأجيبك: بيسلّم عليك يا آبيه. يحبّ كلانا الإشارة لفارق السنة الواحدة - أكبر مني - بيننا، فأشاكسك بأن هذا لم يجعلك أكثر حكمة، ولم يحوّلني لأكثر عبطًا، إنما هو فقط خطأ تاريخي، لم ينتقص من مكانة، أو يقلل من مودّة، تزيدها الأيام والعِشرة الحسنة، بيننا..
يدوم الودّ يا كريم، يدوم الوِدّ .. :)

21-4-2014
_____________
نُشرت على الفيس بوك

يجب أن نختبئ قبل نهاية العالم

في فيلم الباب المفتوح، المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للطيفة الزيّات، يأتي البوليس لشقة محمود التي يعيش فيها مع والديه وأخته، والخادمة الصغيرة، ويعتذرون للوالد: "معلش أصل عندنا أوامر" ويعتقلون محمودًا لأنه شارك في العمليات الفدائية. تظهر "ليلى" في الخلفية، متطلعة إليهم من فتحة صغيرة بين ضلفتي باب حجرتها، وتغلقها عليها جيدًا بعدما يذهبون. تتدثر بالبطانية جيدًا، وترفعها إلى وجهها، لتغطي رأسها كله. أعلنت ليلى سياسة المعركة القادمة: الكمون، والاختباء عن العالم.
تصبح الخطاوي ثقيلة. دبّ القدم نفسها على الأرض مسموعٌ وله وزن. صوت "التكحيت" في الأسفلت أو رصيف الشارع المكسّر لأنكِ غير قادرة على رفع قدميكِ. لهذا تصبح أشياء بسيطة وبعيدة المنال مثل أرجوحة في هواء طلق وبعيدًا عن المتظرفين هدفًا لوقف الزمن، قليلاً. اتذكر في فيلم "كبرياء وتحيّز" بطولة كيرا نايتلي، عندما كانت تلجأ لأرجوحتها المصنوعة من كاوتش سيارة نقل وحبلين قويين، هربًا من صخب منزلهم بأختها التي تعزف على البيانو دائمًا، وأمها دائمة الحديث عن الزواج. كانت تستمتع بإحساس ارتفاعها عن الأرض، وعدم اضطرار قدميها لحملها. يشبه الأمر الطفو فوق عوّامة ممتلئة بالهواء، في بحر هادئ نسبيًا. فكون أن الماء أو الكاوتش يحملك عن الأرض، يرفعكِ معه قليلاً، يخفف من ثقل الخطو وبعثرة السُبل، مهدئ لحدٍ كبير.
تركت ليلى نفسها في الرواية وهي في قارب في النيل. تركت المجدافين ودعت الماء يحملها كما أراد. ودّت لو يبتلعها الماء، فيرحمها من التفكير الدائم، والخيارات التي تتمزقها. في عالمنا الحالي، يصبح الهرب ترفًا، فالأخبار السيئة تلاحقكِ أينما كنتِ. الاعتقال على بعد شارع واحد منّا، والمظاهرات في شارعنا، والقنابل وصلت لشرفتنا. هل نبحث عن عالم أكثر قذارة من هذا؟ نعم، يوجد. التعذيب في الأقسام، القتل الممنهج، العنف الشعبي ضد أفراد من الشعب، مثلهم أو أكثر قليلاً، وجرائد دولية تكتب عن الاضطراب العقلي الذي عمّ أرجاء مصر. هل تبحث عن مخرج؟ هذا بلد يمسك بتلابيب ساكنيه ليقتلهم أكثر، حتى إذا جاء ميعاد صعودهم للسماء، أخذ الملاك أرواحهم وهم يتساءلون عن عدل الله وحكمته. فلندعُ معًا أن يرحمهم الربّ من الشكّ أحياءً، ومن المؤاخذة في الحياة الأخرى.
تُنهي نوران إبراهيم إحدى قصصها القصيرة المنشورة على مدونتها بتساؤل: "هو إحنا زمان اللي كنا خُفاف ولا هي الأض دلوقتي بقيت بتشدّنا؟". الحقيقة يا نور أن الأرض ما فتئت تجذبنا ناحيتها بقوة مغناطيسية غريبة، لكننا كنا نعافر. كنا قبل التخرّج نحلم بأمانيّ عريضة، وبأننا سنغيّر العالم. أذكر أني كنت قد أطلقت لقلبي العنان في ميله الأول، نحو شخص جميل المحيّا والداخل، وكنت أنوي أنه بمجرد إعلان خطبتنا سنكتب عن الحبّ: "ح نعلم العالم إزاي يحبّ". هكذا، وبسذاجة من على أعتاب العشرينيات. حسنًا، الحاصل أننا لم نُخطب، وأن صديقة لي – ريهام سعيد – أنشأت مدونة حاليًا لتكتب عن مشاعرها وتفاعلاتها مع خطيبها، وأنها حققت حلمي بتعليم العالم الحبّ. إلى متى سندع للآخرين توكيل تحقيق ما حلمنا به؟
أقول قبل التخرّج كنا نركل الأرض بقدمنا ونطير. رسمتني هاجر مرّة فتاة صغيرة بجناحين وتطير مع مجموعة بلالين، قبل ظهور فيلم "فوق" الذي طيّر بيتًا حقيقيًا ببلالين هيليوم، بحثًا عن شلالات الفردوس. في عالمنا، لا يوجد سوى شلالات الخراء الفكري والفعلي منهمرة فوق رؤوسنا يوميًا، ولم نعد نملك ترف الاختباء. أين نذهب ياربي؟ أين نذهب؟
"أهرب من قلبي أروح على فين؟" لطالما اعتبرت هذا السؤال موجعًا جدًا. أين سأذهب من الصور التي تلاحقني، والوجوه المعلّقة في السماء السوداء أينما نظرت؟ هناك تسجيل بصوت هادئ وواثق، اسمه "التأكيدات"، استمع إليه في الليالي العصيبة، قبل النوم. يقول التسجيل: "أعرف أنني هناك، بالماضي، لم استطع عمل شيء"، و"اتسامح مع نفسي التي لم تستطع اتخاذ القرارات السليمة، في الأحداث الماضية"، و"سأتوقف عن زيارة الماضي ومراجعة أحداثه، لأجنب نفسي المزيد من الألم، وبهذا أجلب الكثير من الطاقة الإيجابية والقوة، إلى حياتي"، وأخيرًا: "قد حان الوقت ليحرّكني الحب والاحتفال بالحياة، والرغبة في التعبير عن ذاتي".
لكن يظل خيار "إغلاق العالم" مراودًا عن نفسه، يلوح في الأفق، قادمًا أو مغادرًا، لكنه موجود. في نوم طويل ثقيل، بمنوّمات مثلاً أو بعد شرب أطنان من الكاموميل والتلبينة باللبن والعسل، أو الشوفان المطبوخ بالعسل مثلاً يعني، أو مجرد كورن فليكس بلبن دافئ، مع ترك الرقائق لتلين. يمكن سماع فيروز مثلاً، تقول علموني على حبّك ولاموني، ونقول لها إن الموسيقى تعرف، الرحابنة يعرفون، رابسودية فيفالدي للفصول الأربعة على عِلم، منير قالها من قبل كثيرًا، خصوصًا أغانيه "السنجل"، ويانّي عزف لنا وحدنا، خصيصًا لأجل قلوبنا التي علاها الصدأ.

يارب، وعشان خاطر كلمة "يارب"، هدّئ أرواحنا في رحلة عودتها كل يوم صباحًا لصدورنا، واجعل الفجوات التي نمشي منكفئين لنداريها، اجعلها لا مرئية، وهوّن علينا الحزَن كلّه. آمين.

_____________________________
نُشر في "الشروق":
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13032014&id=47f5c578-bf93-4fe5-91f6-e58182ec2d51

كل نور في عينيا ليه ضحكة عينيك، عينيك


كنت أهرب. رأيتهم من بعيد فلم استطع المقاومة، شعرت بخلخلة عنيفة في ركبتيّ وعرق بارد جدًا ينساب على ظهري من قفاي ووراء أذنيّ، كان شعورًا مزعجًا فنزعت الكمامة التي وصل الخيط المطاطي الذي يربطها لوراء رأسي، ومسحت مؤخرة رأسي كلها. لم تفلح المناديل التي أحملها فقررت الهرب، أعلم أنهم بعد دقائق، اثنتين أو عشرة، سيهجمون، أعلم أننا مغلوبون كالعادة، استدرت وأخذت أركض. رآني بعض صغار السن فقالوا مازحين أن أثبت وأن لاشيء سيحدث، درت نحوهم وهتفت بحدة أنهم لا يستطيعون ضمان أي شيء. ثبّت حقيبتي التي يسقط ذراعها من فوق كتفي كل حين، وانطلقت أجري بأقصى سرعتي. لم اتوقف إلا حين وصلت لمحطة المترو، لم أعرف إلى أين أذهب. نزلت السلالم بسرعة خشية أن يغلقوها. كانت سيناريوهات “حرب العوالم” في رأسي: الآن سيخرج المردة ذوو الثلاثة أرجل من تحت الأرض ليمتصوا البني آدمين ويرمون بثيابهم التي لا تُهضم. ركضت حتى في قلب المحطة، لم اقطع تذكرة لأن يدي اليمنى ترتعش بشدة فلم تستطع القبض على أي جنيهات معدنية زلقة من جيبي، واليسرى فقدت إحساسي بها تمامًا، من أول ذراعي من فوق، وتجاهلت هذا الأمر حتى لا أذعر أكثر. قررت الذهاب لمعرض الكتاب.
تخطيت الحواجز المعدنية واندلقت إلى المترو فأغلق أبوابه ورائي على الفور وانطلق. حاولت التنفس. أخذت أنوار العربة تتذبذب فقلت إني أتصور ذلك، لا يمكن أن تأتي العين الخرطومية الكبيرة إلى هنا لتبحث عني، عني أنا بالذات. قلت لنفسي سأتنفس كما تتنفس السيدات المشرفات على الولادة: يكوّرن أفواههن وينفخن، سأنفخ كأني سأطفئ شمعًا، نعم نعم، الشمع، شمع عيد الميلاد، أنا اتذكر عيد ميلادي الأخير، كان الجو حارًا لكن أصدقائي اجتمعوا حول تورتة صنعتها والدة أحدهم وأخذنا نغني ونضحك ونمسح عرقنا، لا، العرق لا، التورتة. نعم، كانت عادية الطعم، لكني أتوق إليها بشدة الآن، أتوق للصحبة، أتوق للحياة العادية.
توقف المترو في رمسيس فطلعت جريًا، لم يهدأ قلبي أو تستقر ركبتاي، وانزلق العرق الآن الذي أصبح ساخنًا إلى مؤخرتي، دائمًا ما أضع الفانلة داخل السروال، هذا مقيت جدًا، الآن كل مؤخرتي غرقى بعرق دافئ، ياععع، أريد أن أخلع ملابسي كلها وأضع نفسي تحت التكييف الخرب للمحطة التحت أرضية، حتى أجف، أجفّ، وأكفّ عن الارتعاش.
خرجت، وجدت ميكروباص ينادي على معرض الكتاب. القوم هنا لم تصلهم المظاهرات. القوم هنا لاهون. الحياة ليست طبيعية، فعربات العدو المصفحة منتشرة في كل مكان، والطيور تحلّق زاعقة فوقنا، والسماء رمادية، وأنا خائف. ركبت في المقعد الأمامي ووضعت الحقيبة بجواري بحركة عنيفة. ما زالت ذراعي اليسرى غير موجودة، وأنا أُبعد هذه الفكرة عن عقلي. قلت سأركز، قلت سأحاول التفكير في الكتب التي أريدها.
غرقت في مستنقع فكرة أن لا كتب جديدة، وأننا جميعنا مُلاحقون. سيراقبون ما نقرأ، سيضعون جهازًا في قفاي يراقب أفكاري، ويلتهم كل إحساس بالسعادة أو الاطمئنان. هدأ تنفسي قليلاً فبدأ شعور بالغضب يتصاعد: ركّز بالله عليك، هناك كتب حلوة بالتأكيد. سطعت في ذهني مقولة مريد البرغوتي أنه حينما تستغلق الأمور عليه وينحصر مُطاردًا داخل نفسه، يقرأ الأساطير اليونانية. نعم نعم، احتاج للخيال، أحتاج لهراء آلهة اليونان والإغريق، سأبحث عن الإلياذة.
تحمست للفكرة حتى أنني لم أخف من السرعة المحدقة بالخطر التي يركض بها الميكروباص. “يركض” .. تخيلت الفِعل في رأسي: ميكروباص كبير مهيب وله أربع قوائم بركب لا تتخلخل، ومعرفة فرس بيضاء.. لا لا، سوداء، ويركض بسرعة جدًا، لذلك نتخضخض يمينًا ويسارًا ولا نهتم. عاد قلبي المخلوع إلى مكانه فقلت لا بأس ببعض الهزّات.
وصلت، دفعت التذكرة وحثثت الخطى نحو سور الأزبكية. تجاهلت سوادهم المنتشر في مؤخرة الصالات التي أصبحت من الخيام البيضاء الآن، تجاهلت كونهم حطموا المعرض كله في محاولة خرقاء للتجديد، والآن نحن من يدفع الثمن. توجهت. خارت قواي فجأة أمام انعطافة سراي أربعة، ما كانت دار المعارف قديمًا، فرميت جسدي على أول مقعد ذي ظهر صادفته. أخذت ارتجف، اشهق وأبكي بعنف وارتجف.
تقيأت إلى جواري. خجلت من نفسي بشدة، ثم هززت كتفي ومسحت فمي بمنديل، وفتحت الحقيبة بيد واحدة وأخرجت زجاجة الماء. الآن، كيف سأفتح غطاءها؟ وضعتها بين وركيّ وقبضت عليها بشدة، ثم حاولت فتح الغطاء. لم أستطع. نظرت حولي بعينين عليهما غمامة فظننت أني أصبت بالسحابة البيضاء أخيرًا. رغم أني صغير جدًا. 
جاءت فتاة كانت تتمشى منتظرة شخصًا ما، تقريبًا، وجلست بجواري. استدرت نحوها وأنا لا أراها، وأشرت نحو الزجاجة. اقتربت مني وفتحتها لي وهي تتكلم، سمعت همهمة خافتة للغاية ولم أعرف كيف أردّ. لم أعرف أصلاً أن السحابة زارت أذنيّ أيضًا. شربت بيد مرتجفة، ووضعت الزجاجة بجواري، وبكيت.
ربتت الفتاة على كتفي ومسحت على ظهري. خجلت من عرقي ومما لا بد رائحتي. مدّت يدها بمنديل ومسحت لي جبيني. ابتسمت، زالت سحابة عينيّ.
رأيتها الآن، جميلة، محجبة في غير إفراط، وحقيبة ظهرها على المقعد بيننا. ابتسمت لها فمدّت نفس المنديل ومسحت ركن فمي، لابد أن كان هناك شيء مزعج. عاد لقلبي دقاته وإن كان صوته مرتفعًا بداخلي. تكلمت فلم أسمعها، أشرت لأذنيّ فهزت رأسها.
الآن جاء صديقها. تهللت لمرآه وتقافزت، ثم لفّت ذراعيها حول كتفيه واحتضنته. كان أسمر بشعر ناعم، متوسط الطول فجاءت رأسه على كتفها. أراحها وأخذ يبكي. أمالت رأسها على جبينه، وعرفت من حركة يدها الصاعدة والنازلة أنها تربت على ظهره. هدأ فابتعد. جاء يجلس إلى جوارنا. وضعت ذراعها حول كتفيه وابتسمت له. صرت أسمعهما الآن.
مضيت. قلت لنفسي يكفي هذا ويجب أن أعود للمنزل. جررت قدميّ وركبت تاكسيًا ودفعت له مبلغًا كبيرًا عليّ، لكنه أوصلني حتى الباب. نمت، بكامل ملابسي وعرقي ورائحتي، استلقيت على السرير.
صحوت في اليوم التالي وكان النهار ساطعًا والشمس حانية، والغيوم بيضاء منوّرة. قلت سأذهب لمعرض الكتاب. ما زالت ذراعي اليسرى خدرة لكني أحركها بصعوبة. غيّرت ملابسي وخطرت على بالي فكرة حسبتها طريفة. قلت سأستحمّ. خلعت ثيابي بيد واحدة، فكان الأمر صعبًا قليلاً، ودخلت تحت الماء بعدما أسلته كثيرًا ليصبح دافئًا. كانت رغوة الصابون مبهجة، لكني لاحظت انسداد أذن عن الأخرى، ولم اهتمّ.
قلت سأشتري الإلياذة والأوديسة معًا. طبعة سميكة مليئة بالرسوم، كنت قد اشتريتها منذ زمن بعيد لكني أرجعتها للبائع في اليوم التالي لأني خفت من عثور أبويّ عليها، وكانا دائمي التفتيش في حاجياتي. قلت سيعاقبانني على الرسوم والآلهة الكثيرة، فآثرت السلامة. 
اتجهت للمعرض في خطوات تحجل قليلاً، وقطعت التذكرة ودخلت. كان هناك ألم في ركبتي اليمنى ومكان آخر، هل هو وركي؟ هل ما فوق الركبة مباشرة؟ هل هي منتصف الساق؟ لم أدري، فقط حوّلت انتباهي. وصلت لنفس المنعطف ووجدت الفتاة، نفس فتاة الليلة الماضية، تجلس على نفس المقعد وتقرأ. ألقيت نظرة سريعة فوجدت آثار الليلة الماضية لم تزل موجودة،، استبشعت ضمير عمال النظافة لدى المعرض الذين لا يقومون بواجبهم. جلست إلى جوارها وابتسمت. لم ترفع عينيها عن الكتاب.
بعد دقيقة جاء ولد، طويل وعريض، بنّي الشعر والذقن والعينين، وصغيرهما، يرتدي نظارة شفافة بلا إطار، ويبتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة من عرف فلم يعد يندهش. هللت أيضًا لمرآه وحاولت لفّ ذراعيها حوله، لكنها أسقطتهما إلى جوارها على طول.  صمتت قليلاً ثم قالت له أن يقترب من الكرسي جدًا، صعدت فوقه مستندة على الظهر، وقفت أعلى منه، ثم مالت لتحتضن كتفيه ورأسه. تمامًا مثل الليلة الماضية، وضع رأسه على كتفها وبكى. رأيت دموعه فبكيت. مسحت وجهي في كمي لأن مناديلي نفدت. حاولت تحريك ذراعي اليسرى فخذلتني فازداد بكائي.
جلست بجوارهما أسمعهما. تكلم الولد قليلاً بينما كانت تعدّ شطائر الجبنة بالخبز الفرنسي الرفيع والطويل. أعطته واحدًا ثم أعطتني أنا أيضًا وابتسمت في وجهي. أشرت لأنفي أني أريد منديلاً فأعطتني واحدًا، وربتت على رأسي.
أخذنا نأكل في صمت، ثم قامت ووزعت علينا عصيرًا. شربنا، والتفتا نحوي. قلت لهما اسمي وعنواني، قلت إني تائه وإني أريد الإلياذة. ضحكت البنت خفيفًا وقالت اشمعنى. حاولت أن اشرح لها، فلاحظت انطلاق لساني وخفوت ضربات قليبي المتسارعة. كنت استخدم يدي اليمنى في الكلام، فجاءت ناحية يدي اليسرى ورفعتها. امتننت لهذه الحركة جدًا. سلّمت عليها مبتسمة، وراحت تخاطبها: ازيك؟ عاملة ايه؟ أنا إيناس - اسم لن أنساه - إنتي مالك؟ وراحت تحركها للأمام والخلف. ثم وضعتها برفق بالغ على المقعد بجواري، وابتسمت لوجهي وذهبت لتجلس في مكانها.
وأنا أحسست أن فرصتي بدأت تضيع. سألتها لماذا تحتضن فتيين؟ لم أفهم. نهضت ثانية من مكانها بذات الابتسامة ووقفت أمامي. قالت إنهما عائدين من معارك مميتة، مع أنفسهما بالأساس. قالت إنهما لم ينتصرا بعد، لكنهما نجحا في البقاء أحياء، وهذا يستحق الاحتفال. قالت إن حضنها شافٍ، وأنه يحمي من الرصاصات المتلاحقة والقطن والشاش والبيتادين، وأن ركن الجبين على عظمة الكتف ينقل الملائكة الصغيرة جدًا التي تعيش هناك لداخل الرأس فتهدئ من الحمّى وفوران التساؤلات المندلع. قالت إن الموت لا يزور المتحاضنين.
وأنا دمعت عينيّ. فلما رأتني هكذا فتحت ذراعيها وأمالت رأسها إلى جانب وقالت وإنت كمان؟ وأنا كمان. قلت. جاءت نحوي فأحطت كتفها بذراعي اليمنى، وركنت رأسي على كتفها. أغمضت عينيّ كيلا أرى الملائكة الصغيرة جدًا، لا أبد أنها لا تحب أن تُرى. لا بد أنها تعمل في صمت وإنكار للذات. ابتسمت لها خفيفًا كفرح مؤلف من سطرين، شممت رائحة البنت فوجدتها ياسمينا أو فلاً، أو هما معًا. انسابت دموعي لكن برفق هذه المرة. شعرت بأني سأكون على ما يرام. أن كل همٍّ زائل، كل حزن سيسيل من بين ضلوعي ليتركني خفيفًا ووحيدًا. شعرت بشيء جديد ينطلق نحو كتفي اليسرى، فذراعي، فأصابعي. حركتها فتحركت. ضحكت، فشددت البنت ضغط رأسها على رأسي. مسحت دموعي. نمت.

 ___________________________________
:"نُشرت في موقع  "الكتابة
http://www.alketaba.com/index.php/2013-10-30-05-35-05/item/2577-alllight.html#.U3jEJPmSxUW

رفيقان

نوجَد فجأة معًا، مهجورٌ ومهجورة، ونقرر أن نشبّك أيدينا معًا، ونمشي في الطريق. حولنا، يتكاثر آنيًا كائنات ترتدي الأسود، وتقف على أرجلها الخلفية، وتحترف المسكنة والضرب. في أيديهم فيولينات، وتشيلو، وأحدهم يقف في المقدمة بكونترباص كبير. جميعهم يبتسمون، بأوجههم التي لطخها الدخان والعرق والدموع ومحاليل الحموضة. ما كان هذا الذي قاله شادي لي في أول الزحف، عن محاليل الحموضة؟


نمشي. تعبر فوقنا وعن يميننا وشمالنا كائنات صغيرة سوداء، رمادية، نحاسية، تصدر هسيسًا لا يناسب اللوحة. يقف الزمن، يدور الكادر حولنا، وتبدو ذرّات الغبار فزعة وهي تتطاير مبتعدة عن طريق الكائنات صاحبة الهسيس، ونحن مبتسمين. ملابسنا ملوّنة، نرتدي أوشحة من الصوف غزلتها أنا، بنفسجية وحمراء ووردية وخضراء وصفراء، أغطية للرأس من الصوف المنفوش، تنورة قصيرة خضراء أسفلها سروال أزرق فاتح، وكوتشي أبيض بوردات دقيقة حمراء.

يعود الكادر لحركته الطبيعية، وتبدو السماء مليئة بألف نجم ونجمٍ، بينما تنحني يا صديقي نحوي لتهمس بجمال عينيّ، وتغنيّ.

نتجاوز وردات بلدية وأقحوانات وليليام وكرازنتم، قررن فجأة أن ينبتن بين مفاصل الأسفلت. تبدو ألوانهن محاطة بهالة من الثلج النقي، ينعقد فوقها لينهمر، إذا ما طالها سناج أو سخام. 

نصل في سيرنا إلى “طبلية”، نتشارك عليها صنع الخبز مع أمهات ممتلئات يغطين شعورهن بأوشحة بيضاء، وتأليف كلامٍ مقفّى سيغنونه لاحقًا. نعبر مهاجرًا يحمل على ظهره حقيبة وحيدة، هافان جملي من الجلد الممتاز، ويفترش الطريق لينام بنصف عين، وعينه الأخرى تراقب تحوّلات الكائنات الصغيرة المسافرة في الجو، ليعرف أين ستسقط. نمد أيدينا نحو القمر المستلقي على وسادته، لنسحب الغطاء عليه، بينما تصرّح لي بحبك.

نشبك أيدينا ونرقص، هذه المرة. تنمحي الأصوات المتكررة العاوية، نتلقى كريّات معدنية صغيرة في بطنينا فننثني قليلاً، ثم نعود لنقف، نتمايل معًا في النسيم الهادئ، المحمّل بالدخان والشياط، ونلف، نتفادى مطبات، وآلهة إغريقية تطلب القربان، وتنانين نهرية تثور فوق الكوبري وتنهمر ماءً زلالاً حلالاً للشاربين، نقفز لتعبر أسفلنا كتلة من المعدن الشائه، نصل لصحراء قريبة، حيث القوافل تحيي مقدمنا بكؤوس ماء ولبن بزنجبيل، وثلة من الفقراء مرتديي المعاطف والقفازات تتلقف الخبز المنهمر من السماء، وتبتسم في وجوهنا.

لا يأتي الليل، لا نتعب، لا نغترب، لا نشعر بفراغ بعد امتلاء، لا نكف عن الابتسام، يصبح معرض الكتاب على يميننا، وعلى يسارنا مقهى صوفي، نعيد تشكيل العالم، ونحضن المهجورين، أصحاب الفجوات ملتهبة الحواف.

الشكر موصول لمحمود درويش ومحمود عزّت، القصة مستوحاة من بعض قصائدهما.

نُشرت في موقع "الكتابة":
http://alketaba.com/index.php/2013-10-30-05-35-05/item/2547-edfghj.html#.U2Hm7_mSxUW

Wednesday, April 9, 2014

بلون الكريز


تستغل فرصة انشغال أمها بصلاة الظهر التي حان موعدها، وأبيها بمشاهدة موجز الأنباء، وتتسلل لغرفتها لتغلق بابها عليها بحذر.. تسحب القنينة الصغيرة من مخبئها وتبدأ ببطء محسوب في فرد لون الكريز شديد البهجة على أظافرها..
تنهي أمها الفريضة فتهرع الفتاة للتظاهر بأنها تكمل غسيل الأطباق، إلى أن يجف اللون تمامًا.. تتجنب الاحتكاك بأيهما إلى أن تتقلص كومة الأطباق عن آخرها، وهي تتطلع من حين لآخر بإعجاب إلى اللون الذي يغطي أطراف أناملها..
تخرج إذن من المطبخ، بابتسامة عريضة قدر المستطاع، وتتحين الفرصة لتُري أمها - بنفس الابتسامة - اللون الجديد، وكيف أنه جميل على أصابعها.. تسعد الأم قليلا ثم لا تعيرها اهتماما بعد ذلك، وتكمل النقاش الحامي الدائر بينها وبين الأب..
تأتي خالتها لزيارة والدتها - الجدة - المريضة والمقيمة عندهم. تراها على نفس حالها فلا تبدي أي تعليق أو انفعال كعادتها مؤخرا، وبنفس الوجه الجامد تستعد للمضي لمنزلها. تلحقها هي على الباب لتسلم عليها، وتريها عَرَضًا اللمعة الفضية في أظفارها.. تطلق الخالة ضحكة فجائية مبتسرة، ثم تحافظ على ابتسامة حيادية ما، وتخرج..
يأتي الإخوة من المدرسة.. تقول سأغير طريقتي هذه المرة، فتلتقطهم مباشرة من على الباب وتعرض أصابعها في الشمس ليروا انعكاس الأشعة الذهبية على اللون الكريزي الجميل، فيسخرون منها لفضيان عقلها، بينما تعلن الصغرى أنها تريد فستانا بهذا اللون تماما في العيد القادم.. يكملون سخريتهم على الأختين معا، ثم يدخلون المطبخ باحثين عن الغداء..
تجلس الأخت وحدها في غرفتها، متطلعة للطلاء والنقاط الفضية اللامعة متناهية الصغر فيه، وتفكر أن لون الكريز به لا يحمل ابتهاجا ولا "نيلة"، وأن تلك اللمعات الصغيرة ليست جنيات بالغة الدقة ترقص وتغير أماكنها كلما حركت أصابعها، فتزيله من على أظافرها وتنزلق إلى المطبخ ..

................
26-12-2009

الحب في ليلة دافئة


"مشهد تخيّلي"
كنا عند عمو عبد العظيم بنحتفل بخروجه من الحبس. أحمد راح البلكونة عشان يشرب سيجارة، وبقية الناس كانوا بيتكلموا بنرفزة وعصبية، سبتهم ولحقت أحمد.. وقفنا ساكتين. بعدين أنا شميت الهوا، وقلت له: "الله، الهوا ريحته حلوة أوي، وهادية.. عارف؟ الحتة دي" وشاورت له بإيديا الاتنين، قلت له "ما بين إيديا ده جزء هادي ومسالم من الهوا. تعالى اقف مكاني وإنت ح تحس بالهدوء والسكينة. اقولك الجو محتاج ايه؟ محتاج اتنين شاي بالقرنفل، شاي حالي.. سكّرك ايه؟"
ودخلت اعملهوله. لما رجعت اديتله كوبايته، وقلت له دوقه، معجبوش أوي، بس إشطة يعني مشّى حاله..
منصور جه كمان شوية، شاور لأحمد من على جنب، إنه يمشي.. مشي
قعد معايا حوالين الترابيزة، اللي كان عليها طبقة تراب خفيفة. إزيّك؟ الحمد لله أنا كويسة، إنت عامل ايه؟ الحمد لله أهه. وبعدين سكتنا ما اتكلمناش. اديتله الشاي وقلت له جربه، شفط واحدة وسكت، وأنا سكتّ. قعدت اتأمل في الجنينة اللي قصاد بيت عمّو عبد العظيم، ومنصور ما شالش عينه من عليا..
رحت قلت له: "عارف الجو ريحته ايه؟" قال لي: "ايه؟" قلت له: "المطر.. عارف لما المطرة تنزل فوق تراب خفيف؟ ده بيبقى ريحة المطر.. أنا نفسي الدنيا تمطر أوي.."
سكتنا تاني، وبعدين بص لي ووشه بيتفرد شوية بشوية، ولمحة حزن بتلوح فوقه، وسألني: "ممكن اسألك؟" "اتفضل"، "ايه تعريفك للحب؟"
أنا: - الحب؟ إجابة كل الأسئلة.. لما تقف كل الأسئلة اللي مفردغة دماغك يمين وشمال. مش شرط تلاقي إجابة عليها، بس تحس براحة كده. بهدوء وسلام.. سكينة. الحب سكينة..
عارف لما يبقى جواك عشرميت حد في بعضيهم عمالين يتكلموا ويتخانقوا؟ الحب بقى اللي ح يخليك تسكتهم كلهم، وتنساهم، وتبقى واحد.. واحد وحيد..
إنت ايه تعريف الحب بالنسبة لك؟
منصور: - (وعينيه بتدمع شوية) إنك متحسش بالذنب. إن الإحساس المقيت ده أخيرًا يتشال من عليك. إنك تبطل تلوم نفسك. (يمسح  دموعه) عارفة؟ الحب إنك تبقى ريحتك فلّ على طول.
..أنا: - الله! ده أجمل تعريف سمعته للحب
منصور: على فكرة أنا بحبك..
:) ..لحظة صمت، ثم: أنا: على كده إنت ريحتك فُلّ على طول

لو متّاخد ردّيه *


لكَ عينان مثقلتان. لو خلعت نظارتك، سيظهر إرهاقهما جليًا.. تحيط تجعيدتان بركني فمك، دلالة على زمّ الشفتين، دومًا، كبتًا للمشاعر.. تتهدل خصلة من شعرك الطويل الناعم على وجهك، لتصطحب رشفة القهوة الداخلة، تمنيت لو أزحتها بيدي.. تمنيت أصلاً لو ربّتُّ على كفِّك، لتهدئ من إيقاع كلامك السريع الشبيه بالطلقات، وتستّكنّ.. سألتك ثلاث مرات عما بك، دائمًا تهرب، دائمًا هناك موضوع ما لتتحدث فيه، وأنا ما شئتُ الضغط عليك. أدركت بعدها أن دفاعاتك قوية وصلدة، وأني لم أنجح في هزّها، وأنها لو تهاوت، ربما تنهار أنت ذاتك، وأنا لا أريد لهذا أن يحدث..
أخبرتني بابيضاض شعيرات ذقنك، وأشرت على مكانها، وأنا تحرّجت من النظر، لا أدري لماذا.. سألتك متى حدث هذا، وأنا أظنه عاديًا مع بلوغك الثلاثين. لكن هذا لم يحدث، أجبتني بكلمتين، وأنا تنّحت تمامًا. شعرت بنغزة في قلبي، هنا بدأ الموج يتصاعد.. موجات من الحزن الثقيل الصافي، وإحساس متعاظم بالعجز، ارتفعت بداخلي، عَلَت حتى بلغت عينيّ، لم تهطل دمعًا في وقتها، مَحتني محوًا عندما وصلت للمنزل، وهاتفت صديقي الذي اتفقنا معًا أن نقرأ لأمين حدّاد وقتها.. ذَكَر كلمة "الأسى" وأنا صمتّ لبرهة، ثم انفتحت في ماسورة عياط مفاجئة.. أغلقت الهاتف وأنا أخاطب السقف وأحاول أن أفهم: "ليه طيب؟ ليه؟"..
..
لا تعرف أنتَ أني كتبت عنك تدوينتين، إحداهما قصة، والأخرى مديح في زمن كان أسهل.. كنا رائقين وقتها، بل إنك في وقت لاحق على كتابة ثانيتهما سألتني وأنت ترشف عصير البرتقال عن تعريف الجَمَال.. صمتنا وتحدثنا واحتفظت بنص المحادثة. لم نكن نتقابل كثيرًا، كحالنا اليوم، لكن هذا لم يؤثر كثيرًا على ترابطنا، ووجود أحدنا حين احتياج الآخر له..
...
يأتي البكاء دومًا يا عزيزي، يأتي قبل النوم، آخر اليوم، أول طلعة النهار، عند الردّ على المكالمات، صمتًا أو كلامًا، وسط النوم في شكل نهنهة عالية الصوت، عند ربتة مشروب الفراولة على الجوف، أو حين إغلاق باب غرفة الأولاد عليهما، إعلانًا عن عدم مشاركتهما حزنًا أو فرحًا، معي.. لذا لا تقلق، سأتدبر أنا أمر بكائي وسأتعامل معه، لكن لا بد من مقابلتنا.. حتى لو لم أملك لك شيئًا سوى الأحضان المبتسرة، تلك التي تضغط فيها جبينك على كتفي، وتختفي عن العالم ولو لبرهة.. سيكفي، هذا سيكفينا معًا، تمامًا، تمامًا..
_______________________________________
جزء من أشعار عُمر مصطفى
1-9-2013