Friday, October 6, 2017

تيجي نحلم بوضع هادي ورقصة لاتنين؟

"تيجي نحلم بوضع هادي.. ورقصة لاتنين؟".
ما أبقاني حية هو أنني سأراك يوم السبت.
كان الأربعاء، وكنت قد تلقيت صدمات كثيرة متلاحقة، آخرها كان ثقيل الوطأة بشدة، كأن حذاءً عملاقًا يعصر رقبتي. ظللت أرتجف وألهث وأنا أحدق في الأقراص الصغيرة المتناثرة. أتت لذهني فكرة: "سأقابلك السبت وسأحضنك". وضعت الأقراص مكانها ونهضت لآكل.
جاء السبت ببطء هائل. كل يوم أحدق في التقويم: ما اسم هذا اليوم؟ ليس سبتًا بعد؟ فأنتظر، ولا أطيل التفكير.

أصل للمقهى قبلك ويتنابني توتر غير مفهوم. أدخل للحمام فتراودني فكرة عابثة: سأضع بعضًا من الروج! كم مضى من زمن لم أهتم فيه بشكلي! حتى أنني توقفت عن تهذيب حاجبيّ. قبل أن أنزل من البيت، ترددت هذه الفكرة تحديدًا في رأسي: أي حاجبين هذين؟! لكن الفكرة القديمة التي ارتضيتها عادت: أنت من الأرواح الطيبة -Kindred Spirits  كما تقول آن شيرلي في رواية "آن من منزل جريت جيبلز"- فلم أقلق، وارتديت ثيابي وانطلقت.

أجلس وظهري للباب، لأنني لاحظت عربة أمنية تقف على مقربة، ولما تطلعت إليها انقبض قلبي بشدة وزادت رجفة يديّ. لم أرك وأنت داخل، وإن لاحظتني على الفور وجئت لتجلس في مواجهتي.
"تركت إيدي معلقة
ع أطراف كنزته وغفيت
غزال ونايم ع قلبي
محوّط بالكرز، وبكيت"

أخذت تثرثر، كعادتك. لم أقاطعك، سرحت في أفكاري. منذ زمن مضى، زمن طويل طويل، وقد أظهرت تفهمًا غريبًا عليّ. لم تؤنبني على شيء، حتى ما تصورته تقصيرًا في حق الآخرين رأيته شيئًا عاديًا نظرًا للظروف ساعتها. تعاطفت معي في أكثر من مناسبة، تعاطفًا مغلفًا بشيء من التحفظ، فأنت لا تسمح لمشاعرك بالطغيان على ملامحك أو كلماتك. رحت تتحدث وأنا سرحت، سرحت تمامًا في أفكار متقاطعة متناثرة لا أذكرها، لكن ما احتل تفكيري مليًا ساعتها أنني أريد أن أمسك بإصبعين من أصابعك، لا يدك كلها، لا كامل الكف، بل إصبعين فقط، كأن ليس لي الحق في احتضان كفك. هل لي الحق في احتضان أكف الآخرين؟

ظللت أحدق في كفك المستريحة على المنضدة، ثم في ذراعك كلها النحيفة جدًا. أتطلع إليك ولا أراك، على فكرة. أبقيت يديّ أسفل المنضدة كيلا تراهما ترتجفان. لماذا عليّ أن أخفي ارتجافة يديّ عنك؟ عنك أنت بالذات! تستغرب أختي من تنفسي الثقيل المتتابع ورجفة جسمي كله، تتطلع إليّ باندهاش قوي ولا تتساءل.

يؤلمني التحديق غير المتعاطف، لكنك لن تحدق، لن تسأل حتى، وسأكون سعيدة بعدم سؤالك، لأن معناه أنك لم تلاحظ الرجفة، أو لاحظت ولم تشأ تكبير الموضوع.
ألو كانت كفاي على المنضدة لسهل عليّ احتضان إصبعك الصغرى؟

تجلس في مقابلتي لكن بزاوية، فساقاك طويلتان جدًا ولا تريدهما أن ترتطما بساقيّ. تقول مازحًا "متر وتمانين، عايزة إيه؟"، وأغضب لأني أحاول المقارنة بين طولي وطولك، وأؤكد "أنا طويلة!" فتضحك. أفرد ساقيّ لتصلا لتحت كرسيك، فلم أعد أستطيع ثني ركبتيّ جيدًا، وأشكر لك التفاتك لتترك لي المساحة الخاصة بك. هل كنت تعرف؟ امتدت آلامي لكل ناحية، فلم تترك مفاصلي في حالها، ولم أعد قادرة على الشكوى.
"تيجي نحلم
بسما هادية
وناس رايقين؟
تيجي نحلم
بوضع هادي
ورقصة لاتنين؟"
"وضع هادي"، النقيض تمامًا مما أشعر به. بداخلي حرب، وقصف ومدافع دوّارة، بداخلي رجفة عنيفة ورغبة هائلة في العثور على الطمأنة من أي شخص. هل كان ميلي لاحتضانك كلّك أو كفك غريبًا، إذًا؟

اتفقنا منذ وقت بعيد على أن تحتضنني ما أن تراني. كنت عائدة من الخارج، في تجربة مؤلمة من الوحدة والقسوة، فلما اتفقنا على اللقاء استأذنتك في أن نحضن بعضينا، ووافقت. لكننا نسينا. عامان إلى الآن نسينا فيهما أن ننفذ ما اتفقنا عليه.

أمس كنت أتحدث لأحد المعارف عن التقبُّل غير المشروط. قلت إن أساسه أن يكون في العلاقة بين الأبوين والأبناء، لكني عدت وضربت مثالاً بصداقتنا: أنا أتقبلك قبولاً غير مشروط، وقلت لهم إنني لم أعد أتضايق من دخان سجائرك، إلا في الأوقات التي يصيبني فيها التهاب الشعب الهوائية، وهي كثيرة، أو تضربني الحساسية فيزيد تنفسي ثقلاً على ثقل. مع غيرك، لا أفعل هذا مطلقًا، لا أطيق الدخان وربما أتشاجر مع من يدخن بقربي.

كنت تتحدث في اللقاء السابق عن أشياء كثيرة، تركتك تثرثر، كنت أريد السماع أكثر. قلت أشياء في غاية العذوبة، أشياء حنون تراها أنت عادية وأراها أنا مذهلة، فلا يفعل الآخرون ما تفعله. لفترة طويلة ظللت في المنزل محاطة بأفراد يرون الحنان شيئًا زائدًا أو غير ضروري، فلما تحدثت عن مساعدتك في إنقاذ حياة الشخص الذي لا تعرفه واتصل بك في عملك يشكو من شيء خارج سلطاتك، ورأت مديرة الفريق ذلك الفِعل تجاوزًا لواجباتك وخصمت من مرتبك، ابتسمت جدًا. رأيت أنت تصرفك عاديًا، لكني رأيته آتيًا من عالم آخر، أكثر اهتمامًا، أكثر تعاطفًا مع الآخرين.

تصرخ أمي في أختي الكبرى الآن أمام الضيوف، فيهرب تفكيري إلى وجوب أن أراك حالاً، وأقضي معك اليوم كله، رغم علمي بانشغالك في عملك الجديد. ماذا لو كنا في فنلندا، ممن تمنحهم الحكومة راتبًا شهريًا وهم لا يعملون، في خطة منها للتكفل بكل المواطنين لأن هذا من حقهم؟ ألم يكن الوقت ليسمح لنا بالمقابلة، في أي موعد، ولم يكن الجو هجيرًا مثل الآن؟
"اغفا أنا
أصحى وأنا
غزالي"

في العالم أشخاص مستغربون، يحملون من التعاطف والاهتمام والحنان ما يجعلهم "عَجَبة" في بلد من العالم الثالث تقتل أولادها بكل بساطة، لكنني أريد التحدث عنهم، وأن أظل بقربهم، علّني أصدق أنهم حقيقيون تمامًا، مثل بقية من يفسدون فيها ويسفكون الدماء.

"لا ينبغي للطيبين أن يحْتجبوا عن العالم، لأنهم يصنعون كل الفارق، لأنهم يجعلون العالم محتملاً، ويشملونني -شخصيًا- بالطمأنينة، ويمسُّون قلبي باليقين، بأننا على صواب على قلة عددنا، لذلك ما كان للطيبين أن يحتجبوا لأنهم قلة مطلقة لا يجوز لها الراحة إلا قليلاً، وبخلاف بعض العزلة فقد كتب الله عليهم السير في العلن، لأنهم معالم الطريق، ونوره."
ــــــــــــــــــــــــ
*العنوان والاقتباسات الأولى من أغنية "تيجي نحلم" لتيريز يزن.

*الاقتباس الأخير من تدوينة لأحمد أبو الفضل، مدونة "مثل سيرة ذاتية" على تمبلر. 

____________
* نُشرت هذه التدوينة على نون بتاريخ
10-7-2017

نظرة إلى عقل مهووسة باللغة


ألا تشعر مثلي بأن الكون يستعيد ضبط نظامه عندما تقرأ شيئًا بالفصحى وتجد كل الهمزات في مكانها الصحيح؟ ألا تشعر بأن المقاطع الموسيقية التي تلمس شيئًا في روحك، وتظل عالقة برأسك حتى لو لم تستطع نطق اسمها، تماثل قصة سامحت فيها أن البطل لم يتزوج حبيبته ما دامت مكتوبة دقيقة لغويًا؟ ألا توجد علاقة بين الاثنين؟ إذًا، مرحبًا بك داخل عقلي.

درستُ الإنجليزية والعربية في الجامعة وبعدها، حتى أنني قررت البدء في دراسة الماجستير في آداب اللغة الإنجليزية، إلى جانب قراءتي بالعربية، وبذلك أصبحت مُلمّة بالاثنتين. هناك شيء ما سحري في طريقة نطق الإنجليز، الفصحى الإنجليزية البريطانية تحديدًا، للغتهم: تخيّل معي لفظة Exasperate التي تعني "يغيظ"، تخيل أن استخدامها حديث نسبيًا، إذ تتكرر في سلسلة هاري بوتر لج. ك. رولينج (المنشورة في العقد الأخير من القرن العشرين) بينما في رواية "كبرياء وتحيز" لجين أوستن (نُشرت في 1813) تستخدم والدة إليزابيث بينيت لفظة Vex التي لها نفس المعنى. أووه يا إلهي! طريقة نطق الممثلة للحوار المستقى بدقة من الرواية في المسلسل الذي عرضته الـBBC عام 1995 طريقة تفاعلهم جميعًا مع النص. كنت أشاهد المسلسل الذي يعدّه الكثيرون مملاً، تحديدًا لأجل الاستماع إلى اللغة.. نعم، يا سادة يا أفاضل، انطقوا أكثر وتحدثوا كثيرًا جدًا في أذنيّ! أريد قمعًا بحجم كبير ليجمع كل الذبذبات اللغوية الصادرة عن المسلسل، ويصفيها ويقطرها في أذنيّ، لتدخل مباشرة إلى عقلي فلا تهجره أبدًا.

قلت إنني مهووسة باللغتين: العربية والإنجليزية، وإن كان عقلي وقلبي يميلان مؤخرًا للإنجليزية، لكن نتيجة لدراستي وقراءاتي أصبحت أعمل مصححة لغوية للعربية، مؤخرًا. عملت في موقع يهتم بتقديم مقالات دقيقة علميًا ولغويًا للمستخدم العربي للإنترنت، وعملت مع "أميرة هيبة"، التي كانت تقتطع من وقتها وتلتفت إليّ في مكتبها الذي يلاصق مكتبي، وتعلمني شيئًا جديدًا عن الهمزات مثلاً. كنت أظن أني أعرف كل شيء عن هذا الأمر، وأنني بالتأكيد لا تفوتني فائتة، وربما كنت إلهة مصغّرة للغة! لكن أميرة بصبر وأدب رائعين كانت تعلمني أشياء جديدة، وأدركت بعد أول يومين في العمل أن التواضع شيء مهم جدًا، لأنه يعلمني معلومات لم أكن أعرفها عن شيء أعشقه: اللغة، فتواضعت وأنصتّ أكثر وتعلمنا الكثير معًا.

هل كنت تعرف أن همزة "أن" تُكسر بعد "حتى" و"حيث"؟ هل تدرك موسيقية أن تسمع نثرًا ينطقه عبقري يضبط التشكيل والإعراب ضبطًا تامًا غير منقوص؟ هل تعلم بهجة الاستماع لشِعر محمود درويش الذي يلقيه الشاعر نفسه، وهو يقف عند مواضع، يؤكد فيها فداحة المعنى للبيت الذي وقف عنده للتوّ، وعلى جمال اللغة في آنٍ؟ يمكنني تقريب الصورة أكثر:
هل تعرف مقطوعات راجح داوود، "كل هذا الحب" مثلاً، أو غناء أحمد منيب على العود فقط؟ الآن يمكنك إدراك حجم التورّط الذي أنا فيه في حب اللغة المضبوطة نطقًا وكتابة.

لكن كل هذا له جانب مظلم، لم أدركه من قبل: نتيجة للتعليم المتدني في مصر، فإن حجم الأخطاء المرتكبة في حق العربية الفصحى المكتوبة مجنون، كمية الأخطاء في أشياء تراها بديهية ولا تحتاج لحذلقة يمكن أن يصيبني بالخبال أو الفالج أو نزف مخي، أو أي شيء مشابه. ما المعقد في وضع الهمزة في "أن" و"أو" و"أمي"؟! لا أحتاج لعبقرية لغوية لأدرك أن الفاعل مرفوع، وأن اسم إن منصوب.. أليس كذلك؟

هنا تحوّلت أيامي في العمل إلى مجهدة ومملة وطويلة ومؤلمة، تحوّلت الصورة الذهنية في عقلي للعمل إلى أنه مكان لطيف جدًا، زملاء عمل لطيفون، مديرة القسم داعمة جدًا ولطيفة بالفعل، لكن اللاب توب الخاص بي، الذي أفتحه وأفتح المقالات لأدققها لغويًا، تحوّل إلى فتحة مظلمة تؤدي إلى "جانب النجوم": كل الأشباح والعفاريت والديمنتورات، كل الوحوش التي تنهض صباحًا -على عكس قانون الوحوش الأزلي- لتنهش وجهي وتمتص روحي وتغرز مسامير مؤلمة في عقلي تجمعت، وأصبحت همًّا يوميًا: أزيلي المسافات الزائدة، أبدلي الهاء تاءً مربوطة أو العكس، ضعي الياء في الأفعال التي تخاطب الأنثى المفردة في المضارع والأمر، وكسرة فقط في الماضي، وغير ذلك الكثير جدًا.

أصبح الأمر يقف على أعصابي بشدة، توقفت عن قراءة الروايات بالعربية تمامًا، لأن في كل الطبعات هناك أخطاء، هناك دور نشر لا تعيّن مصححًا لغويًا أو تعيّن واحدًا لا يفرّق بين الياء والألف المقصورة، أو لا يعرف أن شبه الجملة تُعرب خبر إن المقدّم، ومن ثمّ فإن الاسم التالي لها منصوب عادي جدًا والله العظيم. صرت أستمع في ساعات المواصلات الطويلة إلى كتب مسموعة بالإنجليزية، على الأقل في هذه اللغة لا يوجد تشكيل، لا فاعل يُرفع آخره بالضمة أو بالنون أو الألف لو كان جمعًا أو مثنى، لا فارق في الهمزات، وليست موجودة أصلاً. المقرئ الذي يقدم الكتاب يؤدي كل الأصوات بحرفية رائعة ومُرضية جدًا، تجعلني أريد السفر إليه خصوصًا لأنحني أمامه أو أرفع له القبعة أو أنظر له بوَلَه كبير وأقول له "شكرًا" من القلب على إرضائه الخلايا العصبية المتحفزة أصلاً بداخلي، بنطقه السليم للغة.. صرت أكره عملي وأكره الفصحى وأكره كل شيء آخر في هذه الحياة.

إلى أن جاء يوم وقرروا فيه في العمل أن يقدموا دورة تدريبية في التصحيح اللغوي لكاتبات المقالات المنشورة على الموقع، ولي ولكل المهتمين في العمل. شعرت وأنا أجلس أمام "حسام مصطفى إبراهيم" أن مكانه جبل الأوليمب حتمًا، وأنه إله إغريقي عَبَر الأزمان والأمكنة خصوصًا ليقدم الراحة لمتعبي العقل أمثالي، وليعلّم الناس كيف يكتبون كتابة سليمة. أدركت حينها أنني يجب أن أترك التصحيح اللغوي للأبد، كي أستعيد علاقتي بالعربية، وكي أسترد سلامي النفسي.

الآن أحاول التعافي: ما زلت أكتب بالعربية، عدتُ مترددة للقراءة بها وما قرأته أرضاني إلى حدٍ كبير، لكن الأفضل أنني تعلمت التوقف عن النظر للناس على أنهم أجسام مشوّهة: هذا ينقصه ذراع مثلاً لأنه لا يكتب الهمزات، وهذا سقطت عنه كل رموشه -بالتأكيد سيحتار لو كان بنتًا؛ كيف سيضع الماسكارا؟!- لأنه يكتب كل شيء بالياء ولا يفرّق بينها وبين الألف المقصورة، والأدهى أنه لا يضع أي مسافات بعد علامات الترقيم، فأصبحت القراءة لما يكتبه تعذيبًا سيزيفيًا لأنه يرفض الاستماع للنصائح اللغوية ويسخر منها.

صرت أعي ما يفعله عقلي من تركيب صور مشوّهة على من يكتب الفصحى غير السليمة، صرت أحاول التعاطف مع الناس: ربما تعليمهم لم يسمح لهم بأكثر من ذلك؟ أو ربما الدنيا "تشيل وتحطّ" على رؤوسهم كما تفعل معي ومعنا جميعًا، في وطن غريب جدًا، فلا وقت لديهم للقراءة عن الكتابة السليمة أو تعلمها؟ أو ربما لا يحبون العربية من الأساس، بسبب مدرّس كرههم فيها لأنه معقد مثلي ويميل للسخرية؟

أصبحت أحاول ألا أصدر أحكامًا على من أقرأ لهم، لأنهم آدميون كاملون، ولا ينتقص منهم كونهم لا يعرفون القواعد الصحيحة للكتابة المثالية. وهذا أمر شديد الصعوبة، لكنني أعامل الناس كما أحب أن أُعَامل: بالغفران والمسامحة والنظرة الكلية الشاملة. "أنا لستُ شخصًا سيئًا يا روز، فقط أنا لا أهتم كثيرًا بالهمزات أو بما يقف على أعصابك، أنا لي مشكلاتي الخاصة. أنا مش وِحِش يا روز"، هكذا صرت أتخيلهم يحادثونني، صرت أعطيهم صبغة أكثر إنسانية في عقلي، كيلا أكرههم.
لذا، عزيزي القارئ.. ربما لو عرفت كيف أفكر ويفكر المهووسون مثلي، لعذرتنا.. أليس كذلك؟
____________
* نُشرت هذه التدوينة في نون بتاريخ
23-4-2017

فيلم "موستانج" والفتيات اللاتي يعلمن الكثير بمواقفهن



ترنّ الآن أغنية "أهواك" لعبد الحليم. تتسع ابتسامتي، لأن التوقيت لم يكن أفضل من ذلك، فتوًا أغلقت صورة لولد وسيم جدًا، ربما لا يعرف هو أنه وسيم. ابتسامته متسعة ونابعة من القلب، أسنانه نضيدة على عكس ما أحب من أسنان، فمعيار الابتسامة لديّ لولد لديه سِن أصغر من المعتاد، ثم اكتشفت بعدها أن نفس الموضوع متكرر لدى أمي وأخي الصغير.

أقول أغلقت صورته لأنها تمثل لي تشتيتًا عن العمل، الذي أخيرًا أجلس لتأديته. يبدو وسيمًا بشعره الناعم المبعثر حول رأسه، ونظارته الكبيرة ذات النصف إطار. يحمل في القلب مكانة كُبرى، لذلك ربما هو أكثر وسامة من شخص عابر لم أر إلا صورته. لهذا تحديدًا، ولتعلّقي بمواقفه ومساندته لي وللعديد من الأصدقاء، يبدو حُلوًا مثل زهور "لا تنسني" الصغيرة الزرقاء. تبدو المقارنة بينه وبين مَن تحضرهم لي أمي من "عرسان" غريبة جدًا وعبثية، لأني من المفروض أن أجلس مع شخص لا أعرفه، أسمع عنه ما يرويه هو عن نفسه، وأحكي له عن نفسي بكل أريحية رغم أنها أول مرة أراه، ثم أقرر هل سنكمل مع بعضنا لفترة الخطوبة ثم الزواج أم لا! يبدو هذا غريبًا جدًا!

في فيلم "موستانج" التركي، نرى خمس فتيات صغيرات في السن جدًا، لا أعتقد أن كبراهن بلغت العشرين. نراهنّ وقد فُرضت عليهنّ كل القيود الممكنة، فلا إنترنت أو كمبيوتر أصلاً، ولا تليفون أو فرشاة وضع أحمر الخدود أو طلاء الأظافر. لاحقًا، وُضعت القضبان على النوافذ، وعُلّيت أسوار المنزل. لا أعتقد أن الفيلم يبالغ، فهو وبالرغم من أنه يصوّر حياة الفتيات المنتميات لأصل مسلم في الريف التركي، فالحكاية منتشرة في كل مكان تقريبًا، خصوصًا في دول العالم الثالث. أعرف طبيبًا نفسيًا أتابع صفحته قال شيئًا مماثلاً عن مُتابِعة أتت طالبة المشورة وهي على حافة الانهيار، لكن قصتها كانت متطورة قليلاً عن ذلك، كما حدث في الفيلم تمامًا.

في "موستانج"، بعدما فُرضت كل القيود على الفتيات، خرجت الجدّة بهنّ إلى ساحة القرية لتناول عصير الليمون، الأمر المستغرب جدًا عليهنّ لأنهنّ لم يخرجن من قبل معها بعد فرض الحراسة المشدّدة، حتى المدرسة منعتهنّ من ارتيادها. فهمن بعدها، عندما أمرتهن أن يذهبن للنافورة ويعدن ثانية، أنها تحاول إظهارهن للعالم. نتيجة ذلك، أتت في اليوم التالي مباشرة مجموعة من النساء يطلبن يد كُبرى البنات، لشاب لم تره من قبل. حدثت تغيرات، لكن الجدّة قالت "أرى أن الفتاة والفتى معجبان ببعضهما"، على الرغم من أن الفتيين لم ينظرا لبعضهما سوى لثانيتين، لكن الجدّة أصرّت على إتمام الخطبة حالاً، وأن يحضر الرجال ليتحدثوا في أمور العُرس، لدرجة أن واحدة من الآتيات للخِطبة قالت مندهشة "بهذه السرعة؟!".

وهكذا.. حدث أن زوّجتهن الجدة واحدة وراء الأخرى، دون السؤال عن رأيهن، دون مناقشة معهن. عندما اقترب موعد زفاف الكبرى، أخرجت لهن كتابًا عن "أسرار الجنس" ووضعته في متناول يديها. دُهشتُ أنا جدًا؛ ألهذه الدرجة لم يكنّ يعرفن شيئًا عن الزواج؟! لماذا إذًا سيتزوجن؟!

طُرحت إشكالية الحُب في الفيلم، لكن سريعًا ولم يتعمقوا فيها. في رأيي، لماذا يمكن أن يتزوج الإنسان بلا حُب؟ هل هو الإجبار؟ الخوف من العنوسة؟ في الفيلم كانت الفتيات صغيرات جدًا، كُنّ في المدرسة بحق الله! لماذا وافقن على الزواج؟ هل للهروب من بيت جدتهن القاسي الذي يفتقر للحريات؟ هل لطموحهن في حياة جديدة غريبة؟ هل كُنّ -وهو الأكثر أهمية بالنسبة لي- بلا حيلة؟ يبدو ألا أحد عرّفهن بحقوقهن، وأنهن يمكن أن يقلن "لا". لكن حتى هذه، لو قلنها في وجه الجدّة والعمّ -فقد توفي والداهن منذ زمن- فلن ينصت لهن أحد. لكن على الأقل يقلنها!

رثيت لحالهنّ كثيرًا. رثيت لعدم قدرتهن عن الشكوى أو الاعتراض أو المطالبة بالحقوق. ربما كُنّ صغيرات نعم، لكني سمعت قصة عن "زوريل إدوولي"، مراهقة في الثالثة عشرة تجوب قرى جنوب إفريقيا الفقيرة لتوعية السيدات والفتيات بحقهن في التعليم*.. أليست هذه صغيرة أيضًا؟ أم لاختلاف الظروف؟

لكن تأتي نهاية الفيلم مريحة نوعًا، تقاوم بعض الفتيات ويقلن لا. ينجحن في فرض شخصيتهن ولو بالطرق الصعبة، ويقررن تحديد مصيرهن بأنفسهن. أعجبتني بشدة هذه الجزئية، لأنها رغم اختلافها عن الحياة الواقعية -ليست كل الفتيات محظوظة- فقد جاءت مرضية لمن يشاهد الفيلم ويتفاعل مع الفتيات جدًا ويحاول مساعدتهن. لم يكن الفيلم مسببًا للكآبة، لم تأتِ النهاية لتقول إنه لا أمل، وإن على الفتيات القبول بالواقع التعس، بل أتاحت لهنّ جزءًا من النور، يرينه ثم يقررن هل يتبعنه أم لا.

الفيلم بسيط بالفعل، لكن التعبيرات على وجوه الفتيات كانت موحية جدًا. لم يقلن الكثير، لكن فعلن وعبّرن عن مشاعرهن كثيرًا، على الأقل بعضهن لبعض. في لقطة ما، في بداية فرض حظر كل شيء عليهنّ، كنّ مستلقيات على الأرض يلعبن ألعابًا خيالية جدًا وطفولية، تؤكد انتمائهن لعالم الأطفال أكثر. احتوين بعضهن بعضًا، لعبن معًا وتحدثن معًا. لكن مع تطور الفيلم نرى هذه العلاقة وقد شابتها بعض الغرابة، الأمر الذي لم يدركنه هن أيضًا. تعقدت الأمور، صرن يصرخن في وجه بعضهن، لا يشاركن صغراهن اللعب بالكرة، لا ينصتن إليها أصلاً عندما تريد هي أن تفسد زيجة ثالثتهن.

أتى الفيلم دافئًا جدًا وحميميًا وقريبًا من النفس، عدا الأجزاء التي تفرض فيها الجدة والعم القهر على البنات. لكن البنات قاومن، ليس في كل وقت طبعًا، لكنهن فعلن. أحب أنا المقاومة عندما تأتي من فتاة وُضِعت كل الصعاب والنكد في طريقها، لكنها فرضت صوتها وقالت لا.
_______________
* نُشر في نون بتاريخ

6-2-2017

لنعالج الإدمان وكرب ما بعد الصدمة بالرقص


يمكن للرقص التأثير بقوة في أمزجتنا وعواطفنا وتصرفاتنا، ويمكن أن نستغله للتأثير على صحتنا النفسية تأثيرًا إيجابيًا. اعرف معنا كيف يمكن للحركات الراقصة أن تعالج القلق "Anxiety".
بقلم/ د. آيريس براونيجر - من جامعة توبينجن
ترجمة/ رزان محمود‎

ما ردّك التلقائي حينما يحاصرك القلق؟ هل ترجع خطوة للخلف وتأخذ شهيقًا عميقًا؟ هل تترك الغرفة؟ هل تشغل الموسيقى وترقص؟ قد يبدو الخيار الأخير بعيد الاحتمال، لكن وفقًا للعديد من المعالجين والأطباء النفسيين، فإن له تأثيرًا إيجابيًا قويًا.
رؤية شخص يرقص معناها أن تشاهد التحرر والتعبير عن الذات، وفي أغلب الوقت البهجة متحققة في هذا الشخص. وللعديد من هذه الأسباب، يجد الكثير من المعالجين لأمراض القلق أن الرقص لديه إمكانية العلاج الفعال للقلق، فهو يستطيع أن يكون مخرجًا للإبداع وطريقة للوصول إلى حالة من السلام النفسي.

كيف يعمل العلاج بالحركات الراقصة؟‎
يُعرف الرقص بوصفه علاجًا للقلق بأنه "العلاج بالحركات الراقصة"، وقد عرفته الرابطة الأمريكية للعلاج بالرقص بأنه "التوظيف النفس-علاجي للحركة، من أجل تعزيز الصحة العاطفية والمعرفية والجسمانية والاجتماعية للفرد".

كيف تعمل هذه المقاربة بالتحديد؟ حسنًا، يجب أن نعرف في البداية أن للجسم تأثيرًا عميقًا وقويًا على النفس، والعكس بالعكس. فكما أن الجري لمسافة ميل يمكنه أن يشتت انتباهك عن الضغوط الواقعة عليك من الأشياء التي لا تنتهي وعليك فعلها، فإن الرقص يوظف الحركات التعبيرية والتنفس لتقليص تأثير الأفكار المهتاجة القلقة. وبعبارة أخرى، إذا ركزت على إتقان رقصة التانجو، فمن المحتمل أن عقلك منشغل عن التفكير في خطاب البنك الذي سبَّب لكَ غضبًا كبيرًا. ويعود بنا الرقص لحالة أقرب للبدائية، وبالتالي فهي حالة نفسية أكثر تحررًا وانطلاقًا، تبسط أفكارنا وتجعل أجسامنا وحركتها في حالة تركيز، بدلاً من الاستغراق في التفكير في نواحي الحياة الضاغطة.

ومع ذلك، فلا يقتصر الهدف من العلاج بالرقص على تشتيت انتباه الناس عما يثير قلقهم، كالفواتير المتراكمة، بل إنه مصمم لمساعدة من يحاولون التواؤم مع مرض القلق الشديد، أو الاستشفاء من الصدمات النفسية أو الجسمانية، أو الاكتئاب أو الإدمان. ففي جلسة العلاج بالحركات الراقصة، يقود معالج مدرب الأفراد عبر حركات جسمانية ارتجالية، مصممة بحيث تخدم الهدف المراد منها، وهو العلاج والتخفيف.

وهذا يعني أنه، بينما لا ينحصر المشاركون في روتين متزمت، فإن المدرب يقودهم باتجاه الوعي بالجسم، والاستغراق في تدريبات لتحسين شكل الجسم وتحسين التركيز الداخلي بالرقص في دائرة، ويساعدهم على تحسين مهاراتهم في تدريبات الشد والارتخاء. وكما أن الكلمات والمحادثات أدوات للاستشفاء في العلاج النفسي بالكلام، فإن الحركات أداة التقييم الرئيسية والتدخل العلاجي في العلاج بالحركات الراقصة.

من يمكنه الاستفادة من القدرات الشفائية للرقص؟
بالنسبة لمن يعانون من كرب ما بعد الصدمة أو أي صورة أخرى من الصدمات، فيمكن للعلاج بالرقص أن يكون خبرة حياتية تمدهم بالقوة الشافية. ويمكنه أن يمدهم بالوسائل التي يمكنهم بتوظيفها اختبار الواقع، وأن يصبحوا على صلة به أكثر، لأن من يعاني من هذا الكرب يعاني أيضًا من الانفصال عن الواقع إلى حد ما، كما يمكن للرقص أن يعيد إليهم الذكريات الإيجابية التي نسوها مع الكرب. وأكثر من ذلك، فإنهم يستعيدون الإحساس بتملك أجسامهم، بعدما ضاع منهم هذا الإحساس بالإصابة بالكرب. ونفس الأمر ينطبق على الأطفال المصابين بالصدمات، فيتيح لهم الرقص الفرصة للتعبير دون كلمات عن مشاعرهم وخبراتهم الناتجة عن التعرض للمواقف الضاغطة.‎

وماذا عن أصحاب السلوك الخجول، الذين يحتاجون لمساعدة بسيطة للخروج من القوقعة المحيطة بهم؟
وفقًا للعديد من الدراسات، أثبت العلاج بالحركات الراقصة أنه يقلل من القلق الذي يشعر به الأفراد، بما في ذلك من يعانون من الاكتئاب والقلق في السياقات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، أثبتت الحركات الراقصة قدرتها على تعزيز الثقة وإمكانية التعبير عن النفس فيمن يعانون من القلق الاجتماعي، وبالتالي زيادة قدرتهم على الشعور بالراحة أكثر في المواقف التي تشمل التفاعل مع أشخاص آخرين.

وقد وجد الباحثون أن العلاج بالحركات الراقصة مفيد لمن يعانون من الإدمان. وفي الحقيقة، فإن العلاجات الإبداعية أثبتت نجاحها في تغيير تركيز المرء وتنظيمه، والتحكم في المشاعر والأفكار التي تشل قدرته على التفكير السليم، خصوصًا لمن يعانون من الإدمان. وبدلاً من الكذب على النفس والالتجاء لتعزيتها بإدمان الكحوليات مثلاً، فإن العلاج بالرقص يساعد الناس على أن يصبحوا أكثر وعيًا بأجسامهم ومشاعرهم.

هل العلاج بالرقص مناسب لك؟
اتسعت ممارسة العلاج بالرقص لتشمل العالم كله، وأنشئت الرابطات التي تدير أساليب هذا العلاج في كل مكان، من أستراليا لليابان. وبما أن العلاقة الصحية بين النفس والجسم مطلوبة ومهمة، فإن الرقص بوصفه نوعًا من العلاج ليس ضروريًا لكل الناس. وقد وجدت بعض الدراسات أن بعض تقنيات العلاج بالحركات الراقصة أقل كفاءة في التأثير على من يرفضون التعرض لمواقف غير مريحة، ويشعرون بسهولة بالانسحاق أسفل وطأة المشاعر. ومع ذلك، فبالنسبة لمعظم الناس، يبدو أن العلاج بالرقص يقلل من القلق ويحسن من جودة الحياة والصحة النفسية، ويحسّن أيضًا المزاج والمشاعر وصورة الجسم.

وإذا ظننت أن العلاج بالرقص مناسب لك، فمن المهم أن تجد معالجًا بالحركات الراقصة يكون ملائمًا من الناحية المهنية والأخلاقية، ومن ناحية الالتزام وتحقيق الاستفادة المنشودة.

وأخيرًا.. الرقص جميل، سواءً رقصت منفردًا أو في غرفة مليئة بالناس، وهو من الأفعال الإبداعية التي تعزز من صلتك بجسمك ونفسك. وبوصفه فنًا إبداعيًا ونوعًا من العلاج النفسي، يمكن توظيفه كوسيلة للعلاج من القلق، الأمر الذي يثبت صحة المثل القديم: ارقص إلى أن تنسى همومك.
______________
* نُشر في نون بتاريخ
25-1-2017
** المصدر
https://www.anxiety.org/what-is-dance-movement-therapy

لماذا نرقص؟!

بقلم/ ديفيد توماس مور
ترجمة/ رزان محمود

لماذا يرقص الناس؟
هذا هو السؤال، ببساطة.. لماذا؟ ما الذي يجعل تحريك أجسامنا وفقًا لأغنية نحبها أمرًا مبهجًا؟ لماذا نشاهد مقاطع الفيديو الراقصة، أو نصاب بالهوس حيال انعكاسنا في زجاج النافذة، أو أن نأخذ حصصًا لإتقان شيء يمكن وصفه بكل سهولة أنه تافه؟ لماذا نعرّض أنفسنا للتعب الجسماني، ولأن ينظر إلينا الناس باستغراب، فقط لمجرد أن نطلق على أنفسنا "راقصين"؟ لماذا نحب الرقص لهذه الدرجة؟

هناك الإجابات الواضحة: نرقص للحصول على أجسام مثالية أو ذهنٍ صافٍ، أو للوصول للثبات العاطفي، وأسباب أخرى مماثلة.

ومع ذلك، فكل تلك المنافع يمكن الحصول عليها بطرق أخرى، رغم اعترافي بأنني لم أجد بعد بديلاً أفضل لرقصة التشاتشا لرفع معنوياتي ومعدل ضربات قلبي. ولكننا لا نحتاج للرقص للحصول على جسم مثالي وعقل صافٍ. ولذا، يجب أن يكون هناك أسباب أخرى لاتجاهنا نحوه.

يجب أن يكون هناك شيء عظيم حيال الرقص، يجعله فخمًا لدرجة لا يمكن إدراكها بسهولة. لا يبدو أننا يمكننا الشرح، ومع هذا نعرف جميعًا هذا الأمر لدرجة أننا لا نتردد في الطرق بأقدامنا لمصاحبة عزف على الطبل "البيركشن"، أو التمايل مصاحبة للحن من السامبا. إذًا، لماذا نرقص؟ ربما لأن الرقص وسيلة للتعبير عن أنفسنا، حينما لا تكون الكلمات كافية.
فربما لا يمكن التعبير بطلاقة بالكلمات عن الابتهاج الذي يشعر به الواحد لدى عثوره على حبٍ جديد، أو عن التصميم الذي يعتري ملامحه في وجه الأحزان أو المِحن الكبرى، أو عن النار الشغوفة لشبابه أو السلام لسنينه الناعمة والأكبر عمرًا، بينما يمكن هذا بالتأكيد من خلال رقصة الفالس، أو التانجو، أو الجاز.

نريد جميعًا أن يفهمنا الآخرون، وإذا استطعنا إيجاد الكلمات التي تعبر بطلاقة عن مشاعرنا، فستكون حتمًا كلمات عميقة للغاية وقوية. لكن للأسف، فهذه الكلمات لا يبدو أنها تأتي على ألسنتنا في الوقت المناسب.

ربما الرقص ببساطة هو مترجم عن القلب الإنساني.
ربما الرقص هو الوسيط الذي عبره يمكن للعالم أن يرى من نحن حقًا، وماذا يمكننا أن نكون. جميعنا -لو أردنا الأمانة- نؤمن عميقًا بأننا لسنا عاديين. نعرف عن أنفسنا أننا متفردون بشكل رائع، تُكوننا طبقات عدة من الشخصية المتفردة والموهبة، محبوكة بشكل لا يستطيع أحد على هذه الأرض أن يكون مثلنا. نعرف هذا، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نثبته.

فعلى سبيل المثال، في فلسطين، كانت الدبكة قبل الاحتلال مقصورة على الأفراح والمناسبات والتجمعات البهيجة، لكن بعد العام 1948 أصبحت تأخذ طابعًا نضاليًا، لأن إسرائيل سرقت هذا الشكل الاحتفالي من الرقص ووضعت اسمها عليه وصدّرته، تمامًا كما فعلت مع سلطة الحمص بالطحينة والمجدرة والفلافل. وهذا بالتحديد ما أعاد إحياء الدبكة الشعبية منذ بداية الثمانينيات، فتشكلت الفرق المختلفة، مثل فرقة "الفنون الشعبية الفلسطينية" التي تؤدي حفلاتها وعروضها حتى الآن، وفرقة "حنظلة" وغيرهما، وهي تشترك في محافل عربية ودولية، وتورثها للأجيال التالية حتى لا يموت هذا الشكل البهيج من التعبير عن النفس والحضارة.

يقول مريد البرغوثي تخليدًا لرقصة الدبكة، في كتابه "رأيت رام الله":
"غمزة
غمزة من عينها في العرس
وانجنّ الولد
وكأن الأهل والليل
وأكتاف الشباب المستعيذين من الأحزان بالدبكة
والعمات والخالات والمختار
صاروا لا أحد
وحده التلويح
في منديله يرتج كل الليل
والبنت التي خصّته بالضوء المُصفى
أصبحت كل البلد
مد يمناه على آخرها
نفض المنديل مثنى وثلاثًا 
ركب الجن على أكتافه ثم رماهم وانحنى
ركب الجن على ركبته ثم رماهم واعتدل
قدم ثبتها في الأرض لمحًا
ورمى الأخرى إلى الأعلى كشاكوش وأرساها وتد
كلما أوشك أن يهوي على سحجة كف
جاءه من سحبة الناي سند
يلقف العتمة كالشهوة من أعلى بروج الليل
حتى ضوء عينيها تمامًا
يعرق الصدر وشعر الصدر من ميلاته يمنى ويسرى
ثم يسري عرق الظهر عموديًا تمامًا
والقميص الأبيض المبتل حتى حزام الجلد
خلى فقرات الظهر تحصى بالعدد
غمزة أخرى ولو مُتّ هنا
غمزة أخرى ولو طال انتظاري للأبد".

ربما يعطينا الرقص الفرصة.
وربما الرقص هو الوسيلة التي نختارها لنتذكر كيف تمسكنا بالماضي. هو الطريقة التي بها نعاود معايشة أيام شبابنا المليئة بالمرح، أو وقت أن نظرنا في عيني المحبوب وعرفنا أنه هو من نريد. إنه أيضًا طريقتنا في تكريم أبطال الأمس الذين قفزوا برشاقة حينما كانوا فتية وفتيات خاليي البال، وانضموا للصفوف عارفين بأنهم سيلوّحون للجموع المحتفلة مستقبلاً، كرجال ونساء لبوا نداء الدفاع عن الحرية.

إنه الفرصة لأن أكون أميرة مجددًا، بانتظار ذراع ممدودة ودعوة لقضاء وقت رومانسي لطيف وصادق ولا يُنسى، على عكس ما يدّعي الساخرون. عندما نرقص، يمكننا أن نتذكر كل ذلك بشكل أفضل، وأن نشعر بالفراشات ترفرف في بطوننا مرة أخرى، وأن نعود ولو لبرهة وجيزة لجزء من حيواتنا نقي للغاية، حينما لم يكن للوقت معنى.. لأننا كنا نرقص.

لماذا نرقص؟ كل إجابة مختلفة، وهذا ما ينبغي أن تكون عليه الحال. ربما السؤال الأفضل هو: لماذا لا نفعل؟

أفضل جزء في الموضوع هو أن كل الناس يستطيعون الرقص، بمساعدة المدرسين المناسبين، وهو ممتع وسهل التنفيذ. حرفيًا أصعب جزء هو أن تأخذ الخطوة الأولى: أن تلتقط الهاتف وتحدد ميعادًا للدروس، وأن تخطو داخل استوديو لتعليم الرقص. وبمجرد أن تأخذ هذه الخطوة الأولى، تصبح خطواتك داخل قاعة الرقص سهلة، كأنها شهيق من هواء نقي.
________________
* نُشر في نون بتاريخ
18-1-2017
** المصادر:
https://dancewithmeusa.com/why-we-dance-the-reasons/

و

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%A8%D9%83%D8%A9

وقفة سكون لأجل مشاهدة "فتيات آل جلمور"


مؤخرًا، ابتديت شغل جديد في مجال كنت اشتغلت فيه قبل كده، لكن مش هو الخط الرئيسي لشغلي اللي اتعودت أعمله في الفترة الأخيرة، فكان تحدي جديد وكبير أوي بالنسبة لي.

في أول أسبوع، روّحت من الشغل (البعيد جدًا عن البيت) معيطة، وسجّلت رسالة صوتية لروح د. رضوى عاشور الله يرحمها، وقلتلها "كنتي إزاي مستحملة كل ده؟"، فكانت الإجابة القاسية اللي طلعت من عقلي الساخر والمتهكم "ما هي مستحملتش، وراحت عند ربنا، في مكان أفضل من الأرض الدنيا دي"، وبعد شوية وقت أدركت إن ده مش صحيح، بدليل إنها كانت رئيسة قسم ومشرفة على رسايل ماجستير ودكتوراه وعضو في مجلس الجامعة ونشطة أدبيًا جدًا، ومن أهم أديبات القرن العشرين، ده معناه إنها استحملت، صح؟ وأبدعت كمان. ونمت وأنا بطمن نفسي إن "هذا أيضًا سيمرّ".

كان بقالي فترة قبل ما أشتغل قاعدة في البيت. مكنتش مستريحة، ولا كنت مقضياها تمديدة على السرير بقرأ في الروايات المفضلة عندي أو المكدسة بقالها سنين من الشراء المحموم في معرض الكتاب شِتاء كل سنة، بالعكس، كنت مقضياها على المكتب على كرسي غير مريح بدوّر على شغل، بحاول مع كذا جهة، بحاول مع أصحابي، وكمان بحارب مع الاكتئاب.

جه الشغل اليومي الثابت ده عشان ينتشلني من دوامة البحث ودوامة الإحباط المريعة اللي حاسة بيها، بس الشغل معاه تحديات جديدة، والتزام، وكل حاجة، وأنا كنت حاسة إن كده كتير، لحد ما جات الضربة الكبرى: فاكرة القعدة على كرسي غير مريح في البيت؟ أهي جابت نتيجة مهولة: ضغط الفقرات القطنية على بعضها وعلى الأعصاب، خلِّت عندي ألم رهيب في أسفل الضهر وفي رجلي.

مقدرتش أروح الشغل أول يومين بعد الأشعة ومراجعة الدكتور، عرضت عليهم الشغل من البيت (عشان أكون ممددة على السرير وحاطة اللاب على بطني)، ووافقوا مشكورين. الحقيقة فريق العمل في وظيفتي الجديدة داعمين جدًا وأنا ممتنة ليهم جدًا والله.

مع الرقدة على ضهري والشغل على بطني، جات فكرة البراح: طب ما ممكن أعمل حاجة جديدة؟
رجعت أتفرج على المسلسل المفضل عندي اللي كنت بحبه زمان، "فتيات آل جلمور". رجعت أحس بالشغف ناحية التعليم وإني أرجع صفوف الدراسة تاني، بس برة مصر مش جواها، رجعت أحس يعني إيه إن البنت الصغيرة تحس بحماسة كبيرة أوي ناحية إنها تنضم لجامعة مرموقة وصعب الالتحاق بيها، زي "هارفارد"، ويبقى ده حلمها من ابتدائي، ومامتها تسعى لتحقيقه ليها. حسيت بالحب اللي طالع من الأم لبنتها، والحب المغطّى بغلاف هش من القسوة أو اللا مبالاة اللي طالع من الجدة للأم، واللي علاقتهم رجعت تتصلح تاني بسبب الحفيدة والاشتراك في الاهتمام بمصلحتها وتعليمها.

حسيت بحاجات حلوة.. رجع "فنجان" النسكافيه يبقاله طعم، بعد ما كنت هاجراه ومتجهة كليًا للقهوة التركي. ولما خلص البن رجعت للنسكافيه، بس بقيت بظبط فيه كل يوم شكل: مرة بالرغوة الكثيفة، مرة باللبن كامل الدسم، مرة بطعم اللوز الحلو.. وكده يعني. بقى كل يوم مغامرة جديدة، بعد ما أتحامل على نفسي وأقوم من السرير بصعوبة وأتجه للمطبخ، وأستنى المية تغلي بينما أنا بعمل الرغوة الكثيفة للوش. انبسطت فعلاً بكل فنجان شربته في الفترة دي.

من يومين كان الألم شديد والمسكن الآمن على المعدة خلصان، مجاش في بالي فكرة المسكن الحُقن رغم إن الدكتور نصح بيه بشدة، بل -لظروف شعورية كتيرة- قعدت أعيط وأنا مدية وشي للحيطة على سريري: "ليه يا رب كل الألم ده؟" ونمت. صحيت بقى والإجابة في دماغي: عشان حبة الروقان دول. صحيح كنت بشتغل، ولما ساعات العمل الرسمية تخلص كنت بعمل لنفسي شاي بالفراولة، وأتفرج على المسلسل اللي بحبه جدًا، وبفكر كمان إني أعاود شغفي بالنجوم والسُدم والتكوينات الفلكية. فكرت كمان إن الهدنة دي مناسبة جدًا عشان أهتم بنفسي شوية زيادة، وبقيت بفتكر الكريم بتاع البشرة، ونويت بالمرتب الجديد أشتري كريم ريحته قرفة عشان قُرب موسم الكريسماس، وقعدت أفكر في أي الأكلات مناسبة للاحتفال بالشتا.

الألم مش كله سيئ، وده اللي بحاول أفكّر نفسي بيه. طبعًا بفتكره بعد ما موجة الألم تخلص، إنما في عزّ الموجة بنصح كل حد بحبه إنه يبعد عني، لأني بتحوّل لشخصية كريهة وبحدف أي حد بأي حاجة تحت إيدي.
الألم لو كان سيئ، بييجي بعده إحساس بالراحة، شرط إنه يخلص على خير، بدون ما يخسرنا علاقتنا بالناس وبنفسنا، وبربنا.
____________
* نُشر في نون بتاريخ
28-11-2016

لما صدرها اتكلم


فيه ست قررت إنها تحكيلي بعد أخد وردّ كتير جدًا بينها وبين نفسها، بس هي اتخذت القرار عشان شيء في الآخر خالص هتقول لي عليه.

البداية كانت مع جوزها اللي لقى بقعة لونها نبيتي تحت صدرها، قام وقالها "حاسة بده؟"، قالت له "لأ". ظهر عليه القلق وجابلها مراية وقالها تبص فيها. بشكل ما كان بيتساءل هي ليه مش بتبص على جسمها، وإزاي حاجة زي دي مأخدتش بالها منها. هي لما شافت البقعة مقلقتش، وقالت عادي يعني بتحصل، وهو أصر إنها تشوف دكتور. 

ملقيتش دكتورة ست في محيطها. حجزت عند مستشفى مشهورة بإن دكاترتها أساتذة جامعة، بس لما دخلت عند الدكتور وحكتله بتلعثم، وقال لها "اتفضلي على سرير الكشف وشيلي الهدوم"، اتجمدت جدًا ومقدرتش تتحرك. الدكتور اتأفف: "ما الممرضة واقفة وجوزك أهو، أكيد مش هتحرش بيكي!"، وهي اتجمدت أكتر. جوزها سألها "تحبي نروّح؟"، هزت راسها وقاموا وسابوا الدكتور اللي قعد يبرطم وهو مش فاهم "فين المشكلة؟".. ومشيوا. 

روحوا البيت وهي دخلت الحمام، وقالها "بس متطوليش"، لأنه عارف عادتها في تحويل جدار البانيو لحائط مبكى. بس عادي دخل عليها كمان شوية ولقاها متنحة قدام المراية والكحل سايح، وبتحاول تخلع الصديرية مش عارفة. استأذنها يساعدها، بس اترعبت جدًا وراحت دخلت في حضنه. 

أخدها وقعد على الكنبة اللي بيحبوا يتفرجوا فيها على أفلام ويشربوا عصير جوافة متلج من غير لبن. كانت لسه في حضنه مخبية وشها، هو حاول يكلمها وهي ساكتة. 

بعد فترة طويلة من الصمت مفاقوش منه غير لما استأذنها يدخل التواليت لأنه شرب قهوة كتير النهارده، سابته وحاولت تستجمع مشاعرها. قامت تشرب مية، ولما جه سألها "تحبي نشوف مسلسلك المفضل؟"، فردت عليه بمرارة إن مفيهوش كلام عن الصدر أو العِلل الاجتماعية المحيطة بيه. سألها "طيب ندوّر على الإنترنت عن ناس بتتكلم في الموضوع ده؟"، فرفعت راسها وقالتله بصلابة: "ما أنا كمان ممكن أتكلم في الموضوع ده".. وابتدت تحكي. 

قالتله إنها لما وصلت لسن "إنتي كبرتي يا حبيبتي" وصدرها أكبر من بقية البنات. بشكل ما هي مكانتش شايفاه حاجة غلط، لكن مامتها أصرِّت إنها تلبس دايمًا صديريات جوة وبرة البيت. لما كبرت أكتر وابتدا الجو يتحول للأسوأ بفعل الاحتباس الحراري، كان احتكاك الحديدة النص دايرة بجلدها بيجيب تسلخات على طول، ولما اشتكت لأمها ادِّيتها كريم ضد التسلخات وقالتلها اقلعيه في البيت، بس كملت كلامها "والبسي برا خفيف، من بتوع البيت"، هي بلعت سؤالها: "طب ليه مقعدش من غير أصلاً لحد ما التسلخات تروح؟ على الأقل جوة البيت"، لأنها عارفة الجواب "إخواتك يقولوا عليكي إيه؟ ما تراعي مشاعرهم". وهي موصلتش للإجابة "ما تراعي مشاعري أنا" غير بعد كده بسنين طويلة. 

كان حتى البرا البيتي مخلي شكلها في عينين أمها وحش. كانت كل ما تشوفها تقولها "مال صدرك مهدل كده ليه؟ ما تعملي رياضة؟ بطلتي ترقصي ليه؟ ده حتى الرقص بيخسس"، وهي كان نفسها جدًا تقولها "بطلت أرقص عشان إنتي بتعتبريه تخسيس ورياضة وأنا بعتبره ترفيه عن الروح ومحاولة إن الجسد يتصرف بحريته وتخليه يتنفس، ده حتى في بعض الأحيان لما بيبقى البيت فاضي بيبقى نفسي أقلع كل الشرايط والحزازات دي وألبس تيشيرت خفيف وأجرب الإحساس بالنَفَس الحقيقي اللي طالع من غير ما حاجات فوق القفص الصدري تكتمه، بس كنت بخاف تيجي فجأة، وكنت بعتبر نفسي قليلة الأدب".

اتعدلت في قعدتها تاني. قالتله "إنت عارف إني بحكيلك عن التحرش في الشارع. حكيتلك قبل كده عن إن الناس بتبص لصدري قبل ما يبصوا لوشي؟ وإني كنت بلبس طُرح طويلة بس برضو منفعش، بقيت بلبس شال لوحده فوق صدري، ومنفعش. بشكل ما كأن الناس عارفة إن تحت الهدوم دي كلها فيه صدر عبارة عن كوّيرة عادية في نصها شيء لونه بني المفروض يأكل العيال، وبشكل ما اعتبروا إن من حقهم إنهم يشيلوا في دماغهم كل طبقات الهدوم ويبحلقوا براحتهم، ولو اتكلمت يبقى أنا اللي مش مؤدبة. قلتلك إني بطلت أركب مواصلات أو أمشي في الشارع عشان كده؟". 

بص لعينيها وسكت. كان فيه تجمُّع دمعة واحدة في ركن عين منهم، بس ممسحهاش، مسح أنفه. كان عارف إن في اللحظات دي جسمها بيبقى حساس جدًا ومعتبر أي لمسة تحرش، ما دام بتتكلم عن التحرش، بس كان عارف برضو إن قد إيه نفسها في حضن يرد اعتبارها، فحضنها.

اتشجعت أكتر وقالتله في الزيارة الأخيرة للمستشفى للفحوصات كان فيه ممرضة جديدة سنها متوسط، هي اللي هتعمل رسم القلب. هي عملته قبل كده كذا مرة وعارفة إن كل الممرضات بيقفلوا الباب كويس وراهم ومش بيدخلوا حتى جوزها، وبيلبسوا جوانتي وبيستأذنوها يشيلوا الصديرية. بيشيلوها لحد نص الصدر بس، وبيركبوا الأقطاب وكل الحاجات التانية تحت النهدين، وبيشيلوا إيدهم تمامًا ويسيبوا الجهاز يشتغل. 

لسبب ما الممرضة الجديدة قررت متعملش كل ده. سابت الباب مفتوح وهي لما قالتلها "اقفلي الباب" ردت بسماجة إنهم في قسم السيدات ومتخافش، بس بعد لحظة راحت بتأفف بالغ تقفل الباب. مكانتش لابسة جوانتي ولا استأذنتها، فجأة عريتها تمامًا من الصديرية وحطت الأقطاب تحت النهدين، والأمرّ من كده إنها مسكت صدرها بإيد قال إيه عشان ترفعه بعيد عن الأقطاب، وشغلت الجهاز بالإيد التانية. طيب لو ده مش تحرش يبقى التحرش عامل إزاي؟ 

المشكلة إنها سكتت خالص. مبلَّغتش عن الممرضة ولا حركت بقها إنها تقولها "عيب كده يا آنسة لو سمحتي متلمسنيش"، أو "على الأقل البسي جوانتي"، بشكل ما في جولة الكشف دي قرر كل الدكاترة ميلبسوش جوانتي وكلهم كانوا رجالة: دكتور الباطنى اللي قعد يدوس جامد على المعدة، وينزل بإيده لتجويف الرحم. دكتور القلب كان بيحط السماعة في وجود الدكتور التاني اللي لسه بيتعلم، بس راجل، وهو شايل طرف الصديرية ومن غير ما يستأذنها، أو يكشف ضهرها كله من غير ما يتكلم. هو لو استأذن يبقى وحش مثلاً أو يقلل من قيمته؟ هو الكلام بفلوس؟ 

كرهتهم وكرهت نفسها، بس كانت مضطرة لكل الكشوفات دي عشان تفهم كل الأعراض دي جاية منين، وبعد كده لما طلعت سليمة تمامًا فهمت حاجة واحدة، الأعراض جاية من طريقة تعامل البلد اللي عايشة فيه معاها، وسكوتها هي. 

بصت لجوزها بعد ما خلصت الحكي بتحدي ممرور. قالتله "شايفني إيه دلوقتي؟" وسكتت. 

قرّب هو ناحيتها ومدّ إيده ورا رقبتها، وتخلّل شعرها بصوابعه، وقال لها: "إنتي إنسانة لها تشريح عادي، يعني أغلب البنات عندهم صدر برضو، وإيدين ورجلين وبطن وما بين رجلين. اللي يخليكي مختلفة هو تعاملك إنتي مع الحاجات دي كلها. إنتي اللي بتختاري تبيني إيه من جسمك وتغطي إيه، واختيارك هو اللي بيمشي. يعني اللي قرر يقلعك بعينيه ده مش نابع من تصرفك إنتي، بالعكس، ده نابع من حيونته.
بالنسبة لي، كل اللي قلتيه ده ميقللش من قيمتك إنش واحد. عارف إن فيه ندوب غائرة وعميقة جوة كل حتة في جسمك، عند تجويف الرحم اللي الدكتور حط إيده عليه عشان بيكشف، وعلى كل ناحية من صدرك اتمسكت عشان رسم القلب. عارف لمة الرجلين جامد كإنك بتحوشي محاولة اغتصاب جاية ناحيتك، ومفيش حد حواليكي أو مفيش خطر فعلي جاي دلوقتي، بس إنتي اتعودتي. عارف إننا لو أنصفنا وكان الجسم بيبين الندوب النفسية كان زمان كل جسمك دلوقتي شرايط بالعرض والورب لونها نبيتي وشكلها يمكن يبان وحش، بس عندي أنا يبان إنه بيطلب أحضان طويلة وعميقة، وقوانين جديدة لما تسمعيها وتعرفي إنها هتتطبق كأنها مسكت فرشة ومريت على كل الندوب ومشيّتها، للأبد.

يمكن. إنتي في عينيا جميلة فعلاً، مع ذلك وبرغم ذلك وبسبب ذلك كمان. المشكلة فعليًا في إنك إنتي تشوفي نفسك جميلة، إنتي اللي تتصالحي مع تهدل صدرك وتعتبريه عادي، لأنه عادي والله، ولأن الأفلام اللي بتجيب عارضات الأزياء اللي عندهم أنوركسيا عشان يمثلوا دول اللي مش طبيعيين، ومش لازم نبقى زيهم. 

إنتي في عينيا حلوة فعلاً، وإنتي تشهديلي إني عمري ما قلت أي تعليق سخيف لما كنتي بتطلبي مني بحرارة إننا نجيب كيلو بسبوسة بحاله لما ييجيلنا ضيوف، عشان الضيوف تاكل نص وإحنا نص، وإنتي مبتهجة. كانت تسليتك المفضلة لما الدنيا توجعك إني أدلك رجلك وأجيبلك شوكولاتة بالفراولة أو بالتوت البري لو أغنيا وقررنا نجيب المستوردة. كنتي عارفة إن حضني دايمًا مفتوح ليكي، وعادي يعني، بتسيبي ده كله في الآخر وتقعدي على رجلي وتدفني راسك في رقبتي. وزي ما بتلاقيني بلاقيكي، بحيث إن النص دايرة بين رقبتك وكتفك بقيت مكاني المفضل.

هتفضل ريحة جلدك عندي من المسكنات اللي مش محتاجة رأي الدكتور أو بيان تفاعلاتها مع الأدوية التانية. هيفضل ضبط نَفَسك على نفسي لحد ما نروح في النوم تمامًا أنجع من أي منوّم أخدتيه قبل كده أو هتاخديه. وبصحى ألاقيكي فاردة جسمك ومستريحة تمامًا في نومتك، بينما بقى الطبيعي بتاعك هو الكعورة لأن ذاكرة جسمك مبقيتش عارفة الضربة جاية منين. 
هتفضلي حلوة على طول. المهم إن إنتي نفسك تشوفيكي حلوة، يا حلوة".

وهنا قررت هي إنها تحكيلي حكايتها، كنوع من رفع الحصار عنها، ولو إنش فوق زيادة.
_______________
* نُشر في نون بتاريخ
31-10-2016

الارتباك العاطفي للأبناء بعد الطلاق

بقلم/ روبرت ستون
ترجمة/ رزان محمود


يواجه الأطفال وقتًا عصيبًا بعد الطلاق. وفي الكثير من الأحيان يتجاهل الآباء التفكير في تشعبات آثار هذا الحدث على أولادهم. من المهم جدًا فهم كيف سيرى الأبناء مسألة الطلاق، وما يترتب عليها من نتائج في علاقتهم بالأبوين، وذلك للمساعدة على تقليل الارتباك العاطفي لوقعه عليهم.

1- تميل البنات سرًا إلى التماهي مع المرأة الأخرى، بينما الأولاد مع الرجل الآخر
تريد البنات أن يكنّ "ضيّ عين بابا"، فإذا رغب الأب في امرأة أخرى أو زاد اهتمامه بشيء خلاف الأسرة (مثل أن يكثر من ارتياد المقهى/ البار)، فستريد الابنة في وقت ما، استكشاف هذا العالم الآخر. تميل الابنة أن تحتفظ بالأمر سرًا عن الأم خوفًا من أن تصبح غير وفية لها، ونفس الشيء مع الابن. من المفيد تعريض هذا السر للنور والحديث عنه بطريقة لا تصدر الأحكام على الأبناء.

2- لا تحبس الأبناء في خطط المتداخلات أو المثلثات
يقع المثلث حينما نحشر شخصًا ثالثًا في علاقة بين طرفين اثنين: فنصبح أنا وأنت ضده. يعتبر المتداخلون الأشخاص رقم ثلاثة، الذين يقعون في المنتصف بين شخصين يجب أن يتعاملا مع بعضهما بعض، مباشرة. يمكن للأبناء أن يتحولوا إلى "المتداخلين" بين والديهم المطلقين، محاولين أن يرأبوا الفجوة. ويمكن للوادلين وضع أطفالهما في المنتصف لضخ المعلومات أو لخوض حرب الولاء، أو أن يحاول أحد الأبوين أن يصبح "المتداخل" بين الزوج/ـة السابق/ـة وابنهما. تذكر أن العلاقات الثنائية بين طرفين تعتبر أفضل قاعدة لتسيير العلاقات العائلية بعد الطلاق.

3- لا تخلط بين ما يقلقك وما يقلق طفلك
في أي وقت تشعر فيه بدلاً من طفلك، تأكد مجددًا إذا ما كنت تسقط مشاعرك الخاصة وما يقلقك، عليه. إذا قلقت لأن طفلك يشعر بأنه متروك أو مُتجاهَل أو مجروح أو خائف، جرّب أن تقول "أنا أشعر بأنني متجاهَل ومجروح وخائف". تعامل مع مشاعرك أولاً، وحينها فقط ستصبح مؤهلاً لمساعدة أطفالك، إذا كان لديهم نفس المشاعر.

4- حينما يقترب الأطفال للمراهقة، ربما يودوّن أن يصبحوا مع مطلقك / مطلقتك
قد يكون هذا الأمر مؤلمًا للغاية للوالد الحاصل على الحضانة، والذي قد يأخذ الموضوع على محمل شخصي. ومع ذلك، ففي أغلب الحالات تكون دوافع الطفل لذلك هو أن يختبر بنفسه الحياة مع الوالد الآخر، خصوصًا إذا تربّى على قصص الآخرين حول ذلك الوالد، الذي قدسّه/ها سرًا. يريد المراهق أن يختبر الحقيقة بنفسه، وأيضًا، قد يحتاج المراهقون لمعرفة إذا ما استطاعوا الحياة دون الوالد الحاضن في طريقهم للسعي خلف تطورهم الشخصي.

5- تواصل معهم بتوضيح القيم بدلاً من الإصرار على التحكم والسيطرة
قد تصبح السيطرة على أطفالك لعدة أسباب أمرًا صعبًا للغاية الوصول إليه أو التأكيد منه. وقد يساعدك التحكم في نفسك وانفعالاتك، كأن تكون حازمًا وصبورًا في آنٍ. استمر في تأكيد الالتزام بالتوقعات: حلّ الفروض المنزلية والترتيب ومواعيد العودة للمنزل.. إلخ. لكن حاول التفكير بأن هناك شيئًا أكثر أهمية من التحكم، وهو توصيل مبادئك الإيجابية، حتى في وسط الصراع والخلاف، وحتى لو بدا الأمر أنك لن تصل لأي نتيجة، فلا تيأس. ستجد أن أطفالك يطبقون مبادئك وهم يؤمنون بها حقًا، خصوصًا عند تحولهم للنضج، فقط ضع نصب عينيك الصورة الكبرى، وتحلّ بالإيمان.
_____________
* نُشر في نون بتاريخ
16-10-2016
** المصدر
https://psychcentral.com/lib/kids-and-divorce-ten-tough-issues/

كيف يمكن استكمال العلاقة بين الأطفال ووالديهم بعد الطلاق؟

قلم/ داجمار نيوبرونر
ترجمة/ رزان محمود

عندما انفصلت عن زوجي، كان أكثر ما يشغلني ويثير إحساسي بالذنب سؤال: ماذا نفعل بأولادنا؟ ولمّا كان الأطفال مخلوقات تتعلق كثيرًا بالأشخاص، فإن هذا التعلق لا يحدث بعد فترة زمنية قصيرة من الولادة، بل يتعمّق أكثر في كل سنة يقضونها مع الوالدين، ويحتاج لتفاعلات كثيرة لتنشيطه. وبعد الآن، لن يصبح أولادي قادرين على الوجود مع كلا والديهم في نفس الوقت على منوال يومي. فما المشكلات التي يمكن أن تنشأ؟

تضارب مشاعر التعلّق
لا يستطيع بعض الأطفال دون السادسة (وعادة من هم بأعمار أكبر أيضًا) الاحتفاظ بصورتين من التعلق يرونهما متعارضتين. ولهذا يبدأ الأطفال -خصوصًا الصغار- في رفض أحد الوالدين رفضًا عنيفًا. وذلك لأن الجزء المرتبط بالتعلق في عقل الطفل لم يعد يرى الوالدين متحدين في مكان واحد يوميًا. وعلى هذا، يواجهنا تحدي تقديم أنفسنا للأطفال بوصفنا ما زلنا معًا في أبوّتنا، على الرغم من كل الصعاب ومن انفصالنا كزوجين.

لا يعني هذا أنه علينا التظاهر بالوئام عندما لا يكون موجودًا. لكنه قد يعني نقلنا لطفلنا رسالة: "يحبك والدك/ والدتك فعلاً، وبالطبع تحبه/ـها بدورك. وأنا أشعر بالبهجة لأنك تستمتع بصحبته/ـها."وهذا حقيقي: فبالرغم من تصرف والده/ والدته، فإن طفلك يحب كلا والديه حبًا غير مشروط، ويحتاج لإذنك كي يفعل ذلك. وهذا ليس سهلاً، لكن علينا فعل كل شيء لحماية أطفالنا من فقدان تعلقهم بأحد الوالدين.

تطلَّب الأمر مني قوة عظيمة، لكني نجحت في إظهار إشارات واضحة لأولادي تفيد بأنني مستعدة للاستماع إلى قصصهم المتعلقة بأبيهم وإبداء تعليقات ودودة.

استعن بالأقارب والأصدقاء
اطلب من أصدقائك وأقاربك لعب دورٍ أكثر فاعلية في التقريب بينك وبين أطفالك، بدلاً من مجرد الهمهمة حول الوالد/ الوالدة الغائب/ـة. من المهم بالنسبة إلينا طبعًا أن يصبح طاقم الدعم الذي استعنّا به في صفنا، لكن من فضلك لا تحاول اجتذابه لصفك في حضور أولادك.

من المفيد فعليًا أن تنقل الجدة لطفلك كون كل من أبيه وأمه بخير ويفعلان ما بوسعهما لإبقائه سعيدًا (حتى لو خالف هذا رأيها قليلاً)، إلى جانب التأكيد المستمر بأن المشكلات والشجارات في طريقها للهدوء مجددًا.

الدموع ثمينة
في الأحوال المثالية، يبكي طفلنا في نهاية الأمر بين أذرعنا، لأنه يفتقد أباه/ أمه أو كليكما معًا. وحينما تسقط دموع الإخفاق أخيرًا، فإن العقل يعبر عن تقبله لعدم إمكانية تغيير الموقف المحبط، فيسترخي الجسد. وبالنسبة إلينا كوالدين، من الصعب تقبل كوننا نسبب التعاسة لأطفالنا. لكنهم يمكنهم التعامل مع الموقف تعاملاً أفضل إذا سمحنا لهم بالبكاء بين ذراعينا، بدلاً من ابتلاع دموعهم بشجاعة والتظاهر بالسعادة، تجنبًا لأي ردة فعل غاضبة أو حزينة من أبيهم أو أمهم.

لا يعبر الكثير من الأطفال عن حزنهم المتعلق بالانفصال، بل عن إحباطاتهم الصغيرة من الحياة اليومية. وعلينا الاستفادة من كل فرصة لطمأنة أي علامات على الحزن في الطفل، وتشجيع التعبير عنها، حتى لو بدا السبب لنا تافهًا. حينئذٍ يستطيع الطفل الشعور بالراحة والإحساس بأننا (إلى جانب الوالد الآخر) يمكننا توفير الطمأنة والأمان له.

اسمح بالإحباط
ماذا لو ظلّ الطفل عالقًا في العدوانية المحبَطة؟ هذا مؤلم حقًا ويستنزف الطاقة، لكنه يخبرك أن طفلك محبَط تمامًا. عليك حينها أن تخلق طقوسًا آمنة للتعبير عن ذلك الإحباط. فبدلاً من إيذائك، يمكن للطفل ضرب الوسادة على الكنبة، أو القفز على الترامبولين، أو الصراخ بكل الكلمات السيئة داخل الحمّام ثم شدّ السيفون، ويمكنك أيضًا أن تشارك بنفسك في ذلك أو أن تبدأ الطقس كله. لكل شخص الحق في الشعور بالإحباط والتعبير عنه، والعثور على التقبل لدى الآخر خلال ذلك التعبير.

لا تيأس
لا يريد طفلك رؤيتك؟ هل تغلق ابنتك الخط في وجهك عندما تتصل بها؟ لا يردّ ابنك على رسائلك الإلكترونية أو النصية؟ حينها يتبع الكثير من الآباء شِعار "إذا لم تعد تحبني فلن أفرض نفسي عليك"، لكن بدلاً من ذلك واصل محاولاتك، ابقَ ودودًا معهم وابنِ الجسور بينكم، ووصّل لهم إمكانية الاعتماد عليك. إن حاجة أطفالك للاعتناء بهم اعتناءً مسؤولاً متزايدة أكثر مما هو واضح لك الآن.

لا توبّخ طفلك ولا تجعله يتحمل مسؤولية مشاعرك. لا تقل "سأشعر بالحزن الشديد إذا لم ترد أن تأتي عندي"، تذكر ما يستمتع طفلك حقًا بفعله أو استكشفه. ومن أفضل ما يدعم التعلّق الحسن بينكما قضاء الوقت المشترك معًا والطقوس الدافئة. ولو أمكنك هذا فامضِ وقتًا جيدًا مع كل طفل من أطفالك كلٍ على حِدة، لتعميق الروابط بينكما.
__________
* نُشر في نون بتاريخ
9-10-2016
** المصدر
http://neufeldinstitute.org/staying-close-separation-and-divorce/

15 عبارة تحتاج المطلقة لسماعها والإيمان بها


بقلم/ بيكي شيريك هاركس
ترجمة/ رزان محمود

حينما تصطدم سيدة بالطلاق (حتى لو كان في صورة نعمة متخفية)، فإن أغلب أصدقائها وعائلتها لن يعرفوا على وجه الدقة ماذا يقولون لها. لا يهم مدى شيوع تجارب إنهاء الزواج، لأن الأمر لا يصبح سهلاً لدى اختيار الكلمات الصحيحة لتوجيهها للزوجات أثناء تجربة الطلاق.

من الصعب بوصفك صديقة لمَن ستصبح مطلقة حديثًا أن تشعري وكأنك تمشين على قشور البيض، وأنكِ تحاولين ألا تجعلي الأمور أكثر سوءًا. ولمّا كنت في منتصف تجربة طلاق أنا نفسي، وجدت أن مَن لا يقولون شيئًا على الإطلاق هم من سأتذكرهم دائمًا. لذلك، أعرض عليكِ الآن بعض الأشياء التي يمكنكِ توجيهها لصديقتكِ أثناء تلك التجربة، لتشعر أنكِ تهتمين لأمرها فعلاً.

1- "هل يمكنني أن أصبح اختيارك الأول فيمن ستصحبين إلى (ضعي اسم الحدث الاجتماعي هنا)؟".
للكثيرات منّا، مَن كان لديهن اختيار أول دائم، يصحبنه في كل المناسبات الاجتماعية على مدار السنوات السابقة، فإن احتمالات أن تذهبي لحفل زفاف أو مأتم وحيدة احتمالات مرعبة، إن لم تكن مستحيلة.

2- "أحبكِ".
ففي النهاية، لا يهم كثيرًا مَن كان المخطئ في تجربة الطلاق، إذا كان هناك مخطئ أصلاً. إن المرور بتلك التجربة يجعل المرء يشكك في كل شيء يعرفه، بما في ذلك إذا كان محبوبًا أم لا.

3- "تعلمين أنني أحمي ظهرك".
واحد من أكثر الأشياء أهمية التي يمكنكِ فعلها لصديقتكِ المطلقة طمأنتها أنكِ ستظلين إلى جوارها مهما حدث.

4- "لستِ شخصًا سيئًا، إنما هذا فقط موقف عصيب".
يبدو الهواء نفسه مشبعًا باللوم حينما يأتي الأمر للطلاق، ومعظمه موجّه من صديقتكِ تجاه نفسها. وفي بعض الأحيان فإن هذه الطمأنة الرقيقة هي كل ما تحتاجه صديقتكِ لتمضية اليوم بسلام.

5- "الأمر كله مقرف".
 في بعض الأحيان ننسى مدى صعوبة أن تصبح حياتك منقلبة رأسًا على عقب، ورؤية أن هناك شخصًا آخر يفهم مدى سوء الوضع بالنسبة لكِ (في الفترة الحالية) يمكن أن يترك أثرًا إيجابيًا.

6- "فلنعمل على أن نرتب أحوالك".
خصوصًا إذا كانت المطلقة جديدة على مسائل الفواتير والأمور المادية وإنشاء الميزانيات، وبقية مهام إدارة المنزل. إن وجود شخص يرشدها خلال تلك العملية يمكن أن ينقذ حياتها.

7- "دعيني أساعدك بإهدائك (بعض الطعام، بطاقة سبا مجانية... إلخ)".
عادة في الأيام الأولى لتجربة الطلاق، من الصعب تذكر القيام بأبسط الأشياء، مثل الطبخ/ الأكل أو الاعتناء بالنفس. هنا وقت تدخلك المطلوب.

8- "خذي خطوة واحدة في المرة".
في الغالب ستكون صديقتك مطمورة أسفل مواعيد المحكمة والاهتمام بالأطفال والانتقال من المنزل، لدرجة أنها ممزقة في كل جانب. ذكّريها أن الطريقة الوحيدة لأداء المهمة هي أن تتخذ خطوة صغيرة في المرة الواحدة.

9- "ماذا تريدين؟".
يمكن أن تأتي الإجابة بأي شيء، بدءًا من التفكير في المعاملات الورقية للطلاق أو المساعدة في الوثائق التي يحتاجها المحامي، وصولاً إلى إعداد قائمة البقالة مع صديقتكِ.

10- "لستِ وحدكِ".
بعد أن كنتِ طرفًا في علاقة زواج لمدة سنوات، يمكن للطلاق أن يترك آثارًا عميقة على نفسيتك، ولهذا يصبح تذكيرك بأنكِ لستِ وحدك كليًا أمرًا على جانب عظيم من المعاونة والأثر الجميل.

11- "قد يتطلب الأمر وقتًا طويلاً للمعافاة، وهذا لا بأس به".
اعتقدت "جولي" ذات الخمسين ربيعًا أن باستطاعتها تدبر أمور طلاقها. تقول:" أعتبر نفسي امرأة قوية لأني أملك عملي الخاص، كما أنني متحدثة محترفة"، لكنها تعترف بعدم قدرتها على المواصلة لعام كامل بعد الانفصال. ومع ذلك، فقد ساعدتها دروس المعافاة من تجربة الطلاق على إدراك أن الجميع يختبرون انتكاسة حياتية في أي وقت ممكن. وتقترح المعالجة النفسية باندورا ماكلين هوفر -المطلقة أيضًا- أن إمكانية العثور على معالج يعرف بالتجربة كيف تشعرين، يساعد كثيرًا على تخطي تلك الخبرة. وتكمل فيما يتعلق بالمعافاة سريعًا: "عادة ما يخلق المعالجون الذين لم يمروا بالطلاق أملاً زائفًا. من المهم التمتع بدعم علاجي يدرك ما مررت به بالضبط".

12- "حددي نفقاتك المعيشية المستقبلية بأسرع ما يمكن". 
تقول روزماري فرانك، خبيرة اقتصاديات الطلاق، إنكِ يجب أن تعتبري الرخاء المادي أولويتك الكبرى. وتحذركِ: "ستندمل المشاعر الخام، وتكتمل المعاملات القانونية، لكن التأثير المالي للقرارات المتسرعة أو الخاطئة الناتجة عن قلة فهم للأمور، سيستمر معكِ عمرًا كاملاً... الخطوة الأولى حددي بدقة تكاليف معيشتك الحالية قبل أن تبدأ إجراءات الطلاق". وتكمل: "إذا لم تعرفي ما الذي ستحتاجينه في المستقبل، فلن تستطيعي طلبه وبالتأكيد لن تحصلي عليه".

13- "لا يعني أن تصبحي مطلقة أنكِ فاشلة أو لستِ كفئًا أو غير مرغوبة". 
تقول مؤسسة جمعية "الآباء يعلّمون الأطفال" جينيفر ليتل، الحاصلة على الدكتوراه والمطلقة مرتين: "كان الطلاق شيئًا لم يعتد الناس فعله، بل اعتبر الكثير أن المطلقات جالبات للفضيحة ومنحلات أخلاقيًا"، وتضيف إن بعضًا من تلك الوصمات باقية حتى الآن، لذا تذكري أن الطلاق لا يعرّف هويتك، كما أن "الطلاق يعني أن العلاقة بينكما لم تنجح. لم يتم رفضك كامرأة أو إنسان، كما أن هذا لا يعني أنكِ غير كفء في أدوار الزوجة وشريكة الحياة والحبيبة والصديقة".

14- "لن يخبركِ أطفالكِ بما يشعرون حقيقةً حيال الطلاق، لكن سلوكياتهم ستنبئكِ". 
تقول مؤلفة كتاب "المخطط التفصيلي لزواج دائم"، والمعالجة المختصة بشؤون الزواج والأسرة ليزلي م. دواريس: "يشعر الأطفال بإحساس من المسؤولية ناحية الانفصال، بغض النظر عن مدى ما يقول لهم الوالدان إنه لم يكن خطأهم"، لذا، لاحظي تصرفات أطفالك لتفهمي كيف يتعاملون مع الأمر. راقبي سلوكيات الأصغر منهم، إذا كانوا ينكصون في تعاملاتهم، يتصرفون بطريقة أصغر منهم عمرًا، مثل أن يريدوا النوم إلى جواركِ في الفراش، أو يظهرون غضبًا تجاه الإخوة والأقران. أما المراهقون فيميلون للتعبير عن غضبهم بشرب الكحول أو تفويت أيام دراسية أو عدم الالتزام بحدود الوقت المتاح لهم. ومن أجل تصويب مجريات الأمور، تقترح دواريس معالجة المشكلات معًا كأسرة، حيث يتاح لكل الأفراد الحديث عن التغيرات معًا. إضافة لذلك، أخبري معلمي طفلكِ بالوضع الجديد، لكن لا تعرضي طفلكِ مباشرة لعملية العلاج النفسي. وتضيف: "فذلك قد يجعله يشعر بالوصمة الاجتماعية، أو يعزز من معتقده أن الطلاق خطؤه"."وذلك رغم أن العلاج خيار جيد إذا كانت التغيرات السلوكية قوية.

15- "يمكن للطلاق أن يحرركِ، والتجربة كلها تستحق الخوض".
تقول آني من بوسطن، ذات الأربعة وسبعين عامًا، إنها شعرت بعدم امتلاكها لأي مهارات، عدا الاعتناء بأطفالها، وذلك قبل طلاقها في العام 2007. تملك الآن مدونة عنوانها PlentyPerfect.com، وتفكر في اتجاهات جديدة يمكن لحياتها أن تتخذها. وتستطرد: "قد يصبح الطلاق بداية فصل جديد تالٍ، حتى لو لم تعرفي كيف سينتهي الكتاب. ربما لا تعرفين ما الخيارات المطروحة، لكنها موجودة بالفعل، ويمكنكِ أن تختاري من بينها".
___________________

* نُشر في نون بتاريخ
1-10-2016
** المصادر
http://www.huffingtonpost.com/the-stir/10-things-every-woman-goi_b_2481888.html

و

http://www.womansday.com/relationships/dating-marriage/advice/a6834/divorce-advice-women/