Friday, October 6, 2017

لما صدرها اتكلم


فيه ست قررت إنها تحكيلي بعد أخد وردّ كتير جدًا بينها وبين نفسها، بس هي اتخذت القرار عشان شيء في الآخر خالص هتقول لي عليه.

البداية كانت مع جوزها اللي لقى بقعة لونها نبيتي تحت صدرها، قام وقالها "حاسة بده؟"، قالت له "لأ". ظهر عليه القلق وجابلها مراية وقالها تبص فيها. بشكل ما كان بيتساءل هي ليه مش بتبص على جسمها، وإزاي حاجة زي دي مأخدتش بالها منها. هي لما شافت البقعة مقلقتش، وقالت عادي يعني بتحصل، وهو أصر إنها تشوف دكتور. 

ملقيتش دكتورة ست في محيطها. حجزت عند مستشفى مشهورة بإن دكاترتها أساتذة جامعة، بس لما دخلت عند الدكتور وحكتله بتلعثم، وقال لها "اتفضلي على سرير الكشف وشيلي الهدوم"، اتجمدت جدًا ومقدرتش تتحرك. الدكتور اتأفف: "ما الممرضة واقفة وجوزك أهو، أكيد مش هتحرش بيكي!"، وهي اتجمدت أكتر. جوزها سألها "تحبي نروّح؟"، هزت راسها وقاموا وسابوا الدكتور اللي قعد يبرطم وهو مش فاهم "فين المشكلة؟".. ومشيوا. 

روحوا البيت وهي دخلت الحمام، وقالها "بس متطوليش"، لأنه عارف عادتها في تحويل جدار البانيو لحائط مبكى. بس عادي دخل عليها كمان شوية ولقاها متنحة قدام المراية والكحل سايح، وبتحاول تخلع الصديرية مش عارفة. استأذنها يساعدها، بس اترعبت جدًا وراحت دخلت في حضنه. 

أخدها وقعد على الكنبة اللي بيحبوا يتفرجوا فيها على أفلام ويشربوا عصير جوافة متلج من غير لبن. كانت لسه في حضنه مخبية وشها، هو حاول يكلمها وهي ساكتة. 

بعد فترة طويلة من الصمت مفاقوش منه غير لما استأذنها يدخل التواليت لأنه شرب قهوة كتير النهارده، سابته وحاولت تستجمع مشاعرها. قامت تشرب مية، ولما جه سألها "تحبي نشوف مسلسلك المفضل؟"، فردت عليه بمرارة إن مفيهوش كلام عن الصدر أو العِلل الاجتماعية المحيطة بيه. سألها "طيب ندوّر على الإنترنت عن ناس بتتكلم في الموضوع ده؟"، فرفعت راسها وقالتله بصلابة: "ما أنا كمان ممكن أتكلم في الموضوع ده".. وابتدت تحكي. 

قالتله إنها لما وصلت لسن "إنتي كبرتي يا حبيبتي" وصدرها أكبر من بقية البنات. بشكل ما هي مكانتش شايفاه حاجة غلط، لكن مامتها أصرِّت إنها تلبس دايمًا صديريات جوة وبرة البيت. لما كبرت أكتر وابتدا الجو يتحول للأسوأ بفعل الاحتباس الحراري، كان احتكاك الحديدة النص دايرة بجلدها بيجيب تسلخات على طول، ولما اشتكت لأمها ادِّيتها كريم ضد التسلخات وقالتلها اقلعيه في البيت، بس كملت كلامها "والبسي برا خفيف، من بتوع البيت"، هي بلعت سؤالها: "طب ليه مقعدش من غير أصلاً لحد ما التسلخات تروح؟ على الأقل جوة البيت"، لأنها عارفة الجواب "إخواتك يقولوا عليكي إيه؟ ما تراعي مشاعرهم". وهي موصلتش للإجابة "ما تراعي مشاعري أنا" غير بعد كده بسنين طويلة. 

كان حتى البرا البيتي مخلي شكلها في عينين أمها وحش. كانت كل ما تشوفها تقولها "مال صدرك مهدل كده ليه؟ ما تعملي رياضة؟ بطلتي ترقصي ليه؟ ده حتى الرقص بيخسس"، وهي كان نفسها جدًا تقولها "بطلت أرقص عشان إنتي بتعتبريه تخسيس ورياضة وأنا بعتبره ترفيه عن الروح ومحاولة إن الجسد يتصرف بحريته وتخليه يتنفس، ده حتى في بعض الأحيان لما بيبقى البيت فاضي بيبقى نفسي أقلع كل الشرايط والحزازات دي وألبس تيشيرت خفيف وأجرب الإحساس بالنَفَس الحقيقي اللي طالع من غير ما حاجات فوق القفص الصدري تكتمه، بس كنت بخاف تيجي فجأة، وكنت بعتبر نفسي قليلة الأدب".

اتعدلت في قعدتها تاني. قالتله "إنت عارف إني بحكيلك عن التحرش في الشارع. حكيتلك قبل كده عن إن الناس بتبص لصدري قبل ما يبصوا لوشي؟ وإني كنت بلبس طُرح طويلة بس برضو منفعش، بقيت بلبس شال لوحده فوق صدري، ومنفعش. بشكل ما كأن الناس عارفة إن تحت الهدوم دي كلها فيه صدر عبارة عن كوّيرة عادية في نصها شيء لونه بني المفروض يأكل العيال، وبشكل ما اعتبروا إن من حقهم إنهم يشيلوا في دماغهم كل طبقات الهدوم ويبحلقوا براحتهم، ولو اتكلمت يبقى أنا اللي مش مؤدبة. قلتلك إني بطلت أركب مواصلات أو أمشي في الشارع عشان كده؟". 

بص لعينيها وسكت. كان فيه تجمُّع دمعة واحدة في ركن عين منهم، بس ممسحهاش، مسح أنفه. كان عارف إن في اللحظات دي جسمها بيبقى حساس جدًا ومعتبر أي لمسة تحرش، ما دام بتتكلم عن التحرش، بس كان عارف برضو إن قد إيه نفسها في حضن يرد اعتبارها، فحضنها.

اتشجعت أكتر وقالتله في الزيارة الأخيرة للمستشفى للفحوصات كان فيه ممرضة جديدة سنها متوسط، هي اللي هتعمل رسم القلب. هي عملته قبل كده كذا مرة وعارفة إن كل الممرضات بيقفلوا الباب كويس وراهم ومش بيدخلوا حتى جوزها، وبيلبسوا جوانتي وبيستأذنوها يشيلوا الصديرية. بيشيلوها لحد نص الصدر بس، وبيركبوا الأقطاب وكل الحاجات التانية تحت النهدين، وبيشيلوا إيدهم تمامًا ويسيبوا الجهاز يشتغل. 

لسبب ما الممرضة الجديدة قررت متعملش كل ده. سابت الباب مفتوح وهي لما قالتلها "اقفلي الباب" ردت بسماجة إنهم في قسم السيدات ومتخافش، بس بعد لحظة راحت بتأفف بالغ تقفل الباب. مكانتش لابسة جوانتي ولا استأذنتها، فجأة عريتها تمامًا من الصديرية وحطت الأقطاب تحت النهدين، والأمرّ من كده إنها مسكت صدرها بإيد قال إيه عشان ترفعه بعيد عن الأقطاب، وشغلت الجهاز بالإيد التانية. طيب لو ده مش تحرش يبقى التحرش عامل إزاي؟ 

المشكلة إنها سكتت خالص. مبلَّغتش عن الممرضة ولا حركت بقها إنها تقولها "عيب كده يا آنسة لو سمحتي متلمسنيش"، أو "على الأقل البسي جوانتي"، بشكل ما في جولة الكشف دي قرر كل الدكاترة ميلبسوش جوانتي وكلهم كانوا رجالة: دكتور الباطنى اللي قعد يدوس جامد على المعدة، وينزل بإيده لتجويف الرحم. دكتور القلب كان بيحط السماعة في وجود الدكتور التاني اللي لسه بيتعلم، بس راجل، وهو شايل طرف الصديرية ومن غير ما يستأذنها، أو يكشف ضهرها كله من غير ما يتكلم. هو لو استأذن يبقى وحش مثلاً أو يقلل من قيمته؟ هو الكلام بفلوس؟ 

كرهتهم وكرهت نفسها، بس كانت مضطرة لكل الكشوفات دي عشان تفهم كل الأعراض دي جاية منين، وبعد كده لما طلعت سليمة تمامًا فهمت حاجة واحدة، الأعراض جاية من طريقة تعامل البلد اللي عايشة فيه معاها، وسكوتها هي. 

بصت لجوزها بعد ما خلصت الحكي بتحدي ممرور. قالتله "شايفني إيه دلوقتي؟" وسكتت. 

قرّب هو ناحيتها ومدّ إيده ورا رقبتها، وتخلّل شعرها بصوابعه، وقال لها: "إنتي إنسانة لها تشريح عادي، يعني أغلب البنات عندهم صدر برضو، وإيدين ورجلين وبطن وما بين رجلين. اللي يخليكي مختلفة هو تعاملك إنتي مع الحاجات دي كلها. إنتي اللي بتختاري تبيني إيه من جسمك وتغطي إيه، واختيارك هو اللي بيمشي. يعني اللي قرر يقلعك بعينيه ده مش نابع من تصرفك إنتي، بالعكس، ده نابع من حيونته.
بالنسبة لي، كل اللي قلتيه ده ميقللش من قيمتك إنش واحد. عارف إن فيه ندوب غائرة وعميقة جوة كل حتة في جسمك، عند تجويف الرحم اللي الدكتور حط إيده عليه عشان بيكشف، وعلى كل ناحية من صدرك اتمسكت عشان رسم القلب. عارف لمة الرجلين جامد كإنك بتحوشي محاولة اغتصاب جاية ناحيتك، ومفيش حد حواليكي أو مفيش خطر فعلي جاي دلوقتي، بس إنتي اتعودتي. عارف إننا لو أنصفنا وكان الجسم بيبين الندوب النفسية كان زمان كل جسمك دلوقتي شرايط بالعرض والورب لونها نبيتي وشكلها يمكن يبان وحش، بس عندي أنا يبان إنه بيطلب أحضان طويلة وعميقة، وقوانين جديدة لما تسمعيها وتعرفي إنها هتتطبق كأنها مسكت فرشة ومريت على كل الندوب ومشيّتها، للأبد.

يمكن. إنتي في عينيا جميلة فعلاً، مع ذلك وبرغم ذلك وبسبب ذلك كمان. المشكلة فعليًا في إنك إنتي تشوفي نفسك جميلة، إنتي اللي تتصالحي مع تهدل صدرك وتعتبريه عادي، لأنه عادي والله، ولأن الأفلام اللي بتجيب عارضات الأزياء اللي عندهم أنوركسيا عشان يمثلوا دول اللي مش طبيعيين، ومش لازم نبقى زيهم. 

إنتي في عينيا حلوة فعلاً، وإنتي تشهديلي إني عمري ما قلت أي تعليق سخيف لما كنتي بتطلبي مني بحرارة إننا نجيب كيلو بسبوسة بحاله لما ييجيلنا ضيوف، عشان الضيوف تاكل نص وإحنا نص، وإنتي مبتهجة. كانت تسليتك المفضلة لما الدنيا توجعك إني أدلك رجلك وأجيبلك شوكولاتة بالفراولة أو بالتوت البري لو أغنيا وقررنا نجيب المستوردة. كنتي عارفة إن حضني دايمًا مفتوح ليكي، وعادي يعني، بتسيبي ده كله في الآخر وتقعدي على رجلي وتدفني راسك في رقبتي. وزي ما بتلاقيني بلاقيكي، بحيث إن النص دايرة بين رقبتك وكتفك بقيت مكاني المفضل.

هتفضل ريحة جلدك عندي من المسكنات اللي مش محتاجة رأي الدكتور أو بيان تفاعلاتها مع الأدوية التانية. هيفضل ضبط نَفَسك على نفسي لحد ما نروح في النوم تمامًا أنجع من أي منوّم أخدتيه قبل كده أو هتاخديه. وبصحى ألاقيكي فاردة جسمك ومستريحة تمامًا في نومتك، بينما بقى الطبيعي بتاعك هو الكعورة لأن ذاكرة جسمك مبقيتش عارفة الضربة جاية منين. 
هتفضلي حلوة على طول. المهم إن إنتي نفسك تشوفيكي حلوة، يا حلوة".

وهنا قررت هي إنها تحكيلي حكايتها، كنوع من رفع الحصار عنها، ولو إنش فوق زيادة.
_______________
* نُشر في نون بتاريخ
31-10-2016

No comments: